المواجهة الأمريكية–الإيرانية: قراءة سياسية في توازن الردع وحدود الصراع

المحامية رحمه العزه

تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإسلامي في إيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، لما تحمله من تراكمات تاريخية، وتناقضات أيديولوجية، وتقاطعات استراتيجية تتجاوز حدود الدولتين لتطال أمن الشرق الأوسط واستقراره، ومع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، عاد سؤال الحرب إلى الواجهة، ليس بوصفه خيارًا حتميًا، بل كأحد المسارات الممكنة ضمن طيف واسع من السيناريوهات.
الحرب ليست احتمالًا نظريًا ولا تهديدًا إعلاميًا للاستهلاك السياسي، بل مشروع صراعٍ طويل الأمد، يُدار بصبرٍ استراتيجي، وتكتيكاتٍ رمادية، فواشنطن لا تبحث عن حربٍ تقليدية، وطهران لا تسعى لانتحارٍ سياسي، لكن كليهما مستعد لدفع المنطقة إلى حافة الانهيار طالما أن النار لا تصل مباشرة إلى الداخل.
المفارقة القاتلة أن هذا الصراع، رغم كل مخاطره، يُدار بعقل بارد… بل تحوّل إلى صراع مركّب متعدد المستويات، يشمل العقوبات الاقتصادية، الحرب السيبرانية، العمليات الاستخباراتية، والصراعات غير المباشرة عبر أطراف إقليمية.
السيناريو الأكثر واقعية ليس الحرب، بل استدامة التوتر، الولايات المتحدة تريد إما إسقاط النظام الإيراني أو أقلها إبقاءه محاصرًا، مستنزفًا، محكومًا بالعقوبات، ومكبّلًا في طموحاته النووية والإقليمية. أما إيران، فتعرف أن الرد المباشر هو فخ، لذلك تفضّل سياسة "الأذرع الطويلة"، في هذا المسار تتحول دول المنطقة إلى ساحات رسائل: صاروخ هنا، مسيّرة هناك، توتر في الخليج، تهديد للملاحة، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، لكنها تخدم المصالح وتتقن إدارة الفوضى.
لكن أخطر ما في هذا المسار أنه هَش، ضربة أو استهداف منشأة، كفيلة لكسر قواعد الاشتباك، لتدخل المنطقة مرحلة الانفجار المتسلسل: الخليج، العراق، لبنان، البحر الأحمر… كخطوط نار محتملة، في هذا السيناريو، لن تكون واشنطن وحدها في المواجهة، ولن تبقى إسرائيل خارج الحسابات، ولن تستطيع الدول العربية الاكتفاء بدور المتفرج، لتظهر الحقيقة القاسية أن المنطقة ليست جاهزة لحربٍ كهذه، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا، الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ليست مستحيلة، لكنها تعني فشلًا ذريعًا لمنظومة الردع الدولية، وشلل في صادرات الطاقة، وانهيارات مالية، وربما تدخل قوى كبرى بشكل غير مباشر في حرب شاملة.  
تحديد مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني مرتبط بطبيعة القيادة السياسية في البلدين، ومواقف الحلفاء الإقليميين والدوليين، والوضع الاقتصادي الداخلي للطرفين، وتطورات البرنامج النووي الإيراني، وقدرة النظام الدولي على لعب دور الوسيط الفاعل، هذه العوامل تجعل من الصعب التنبؤ بمسار واحد حتمي، وتفتح المجال أمام سيناريوهات متداخلة ومتغيرة.
وأما عن المسار الدبلوماسي فلم يمت، لكنه يُستخدم كأداة لإدارة الأزمة لا كحل جذري كاتفاقات نووية مؤقتة، وساطات إقليمية، وتفاهمات خلف الكواليس، كلها تهدف إلى شراء الوقت لا لحل الصراع. فجوهر الأزمة ليس البرنامج النووي فقط، بل صراع على النفوذ، والهيمنة، وتحديد من يرسم مستقبل الشرق الأوسط.
إن الحرب الأمريكية على إيران ليست قدرًا محتومًا، لكنها تظل احتمالًا قائمًا ضمن بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وبين الحرب الشاملة والاحتواء المؤقت، تتحرك العلاقة بين الطرفين في مساحة رمادية تحكمها حسابات القوة وحدود الردع، وفي غياب تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف الأمن الإقليمي، سيبقى الصراع مفتوحًا على مسارات متعددة، تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، وتنعكس آثارها على الشرق الأوسط والنظام العالمي الجديد.