بين القوة والردع.. السيناريوهات البحرية المحتملة ضد إيران
في خضم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، عادت مسألة الحصار البحري إلى الواجهة بوصفها إحدى أدوات الضغط المحتملة على طهران.
غير أن الرد الإيراني جاء حادا ومباشرا، إذ حذر رئيس هيئة الأركان الإيراني عبد الرحيم موسوي من أن أي تصعيد عسكري أو محاولة فرض حصار على بلاده ستشعل نيرانا "تحرق أمريكا وحلفاءها"، مؤكدا أن إيران "دولة قوية وواسعة وغير قابلة للحصار".
وفي لهجة تصعيدية لافتة، شدد موسوي على أن من يتحدث عن فرض حصار بحري على إيران "عليه أن يعيد مراجعة دروس الجغرافيا والجيوسياسة"، في إشارة إلى تعقيدات الموقع الجغرافي الإيراني وتشابكاته الإقليمية والدولية.
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يمكن فعليا فرض حصار بحري على إيران كما حدث مع دول أخرى مثل فنزويلا؟ أم أن الجغرافيا السياسية لإيران، وسيطرتها غير المباشرة على مضيق هرمز، تجعل أي حصار محتمل مغامرة تتجاوز حدود إيران لتلامس الاقتصاد العالمي بأسره، بل ما يمكن وصفه بـ"حصار العالم"؟
خطر الحصار
وأوضح الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار أن فرض حصار بحري على إيران ليس خيارا عمليا بسيطا، بل هو مرتبط بالواقع الجيوسياسي والحسابات الإستراتيجية المعقدة.
وأضاف أن إيران تتمتع بموقع إستراتيجي يتيح لها السيطرة على الخليج وبحر عمان ومضيق هرمز، وهو معبر حيوي للطاقة العالمية.
وأضاف أنه -بخلاف دول مثل فنزويلا التي تتمتع بوصول محدود وقابل للتحكم إلى البحر- تمتلك إيران سواحل طويلة، وموانئ متعددة، وجزرا إستراتيجية، وعمقا عملياتيا كبيرا في البحر.
لذلك، فإن فرض حصار بحري على إيران ليس فقط صعبا ومكلفا، بل قد تكون له تداعيات تؤثر على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي، وفق رأي الباحث.
وأشار دهقاندار إلى أن إيران تؤكد دائما أنها لا تسعى لتصعيد التوتر في مياهها الجنوبية، وأن الخيار المفضل هو الحل الدبلوماسي.
لكنه أضاف أنه إذا استمرت الولايات المتحدة في سياسة الضغط الأقصى، أو تبنت حصارا أو تحركا عسكريا، فإن رد إيران -من منظور المخططين العسكريين- سيكون رد فعل حتميا في إطار الدفاع عن وجودها وبقائها.
وأوضح الباحث أن هذا الإدراك للتهديد الوجودي -الذي يعكسه تحذير قيادات إيران بشأن خطورة أن يتحول أي نزاع إلى حرب إقليمية- يمكن تفسيره بمنطق الواقعية النيوكلاسيكية، حيث تتحول الضغوط الدولية -عبر إدراك القادة- إلى سياسات وإستراتيجيات في السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، تشمل أدوات إيران الردعية -وفق دهقاندار- السيطرة الذكية على مضيق هرمز، والقدرات البحرية غير المتكافئة، والجزر الإستراتيجية، وصواريخ الساحل-بحر، وشبكة الزوارق الخفيفة، وهي أدوات مصممة للردع وليس لتصعيد التوتر، بهدف منع الصراعات من خلال تعزيز القدرة على الردع.
مناورات بحرية
ومن جهته، وفي تعليق له بشأن إمكانية فرض حصار بحري على إيران وردود فعلها المحتملة؛ أوضح أستاذ العلاقات الدولية جواد حيران نيا أن هناك جانبا فنيا لما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة.
وقال إن أمريكا قادرة تقنيا -إلى حد كبير- على فرض حصار بحري على إيران في مياه الخليج وبحر عمان، من خلال نشر أساطيلها في مناطق بعيدة مثل المحيط الهندي وبحر عمان، بعيدا عن مدى صواريخ إيران، وتهديد إيران عبر هذه المواقع.
لكنه أضاف أن المسألة الرئيسية تكمن في رد فعل إيران. فإيران -وفق قوله- تمتلك قوة بحرية قوية مزودة بزوارق سريعة وسفن مجهزة لمواجهة الأساطيل الأمريكية، وليست كفنزويلا التي يمكن حصارها بسهولة، بحسب الجزيرة.
كما أشار إلى أن حلفاء إيران في المنطقة -مثل الحوثيين باليمن- يمكنهم التأثير على مضيق باب المندب وجعل الملاحة فيه غير آمنة، مما يضر بالملاحة العالمية ويزيد الضغط على الولايات المتحدة للتراجع عن أي حصار.
وأضاف أن هذه التحركات تتزامن مع تحذيرات إيران لأول مرة بشأن احتمال أن تتحول أي مواجهة عسكرية إلى صراع إقليمي، كما أكد مسؤولون إيرانيون -مثل وزير الخارجية عباسي عراقجي- أن أي حرب قد تجلب عدم الاستقرار إلى المنطقة بأكملها.
أما فيما يخص إمكانية إغلاق مضيق هرمز، فقد أوضح حيران نيا أن إيران تسيطر على الجزء الشمالي من المضيق، ولها وجود مشترك مع سلطنة عمان في الجزء الجنوبي، مما يعزز إمكانية جعل المضيق غير آمن وفقا لسيناريو متطرف، لكن ذلك سيكون مكلفا للغاية وسيؤثر على صادرات النفط والطاقة والملاحة العالمية، كما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
وأشار أيضا إلى أن الحصار الأمريكي لن يستطيع إيقاف صادرات النفط الإيرانية تماما، إذ يمكن لإيران تصدير نفطها عبر بحر عمان أو من خلال دول الجوار، لكن الحصار قد يقلل من حجم صادراتها بشكل كبير ويؤثر سلبا على اقتصادها.
خيار الدبلوماسية
في الختام، يبرز التحليل أن فرض حصار بحري على إيران ليس مجرد مسألة تقنية أو عسكرية، بل يرتبط بتوازنات جيوسياسية وإستراتيجية معقدة.
فبينما تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تشكيل تهديد بحري، فإن قوة إيران البحرية وتحالفاتها الإقليمية وقدرتها على التأثير على الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، تجعل أي حصار محفوفا بالمخاطر والتكاليف العالية. كما أن أي تصعيد عسكري قد يمتد إلى المنطقة بأكملها، ويؤثر على استقرار أسواق الطاقة العالمية؛ وفقا للمحللين.