جو حطّاب… صانع الرحلات الذي بلغ بأحد فيديوهاته مئة مليون مشاهدة
محمد النجار
لم يكن جو حطّاب مجرد صانع محتوى عابر في فضاءٍ رقمي مزدحم، بل تحوّل إلى رفيق رحلةٍ حقيقي لجمهوره، حملهم على بساط الريح وجال بهم بين البلدان والحضارات. من خلال عدسته، لم نكن نشاهد أماكن فحسب، بل كنا نطلّ على حكايات الناس، وأنماط عيشهم، وتفاصيل ثقافاتهم. مشاهد طبيعية خلّابة، ووجوه من ثقافات مختلفة، وتجارب إنسانية نابضة؛ كل ذلك قُدّم بروح الفضول والاحترام، حتى بدا وكأنه موسوعة حيّة تنبض بالعطاء والمعرفة.
خصوصية تجربة جو حطّاب أنّ نجاحه لم يتأسس على إمكانات ضخمة أو إنتاج مبالغ فيه، بل على فكرة صادقة ودافع داخلي . الشغف الذي يحمله لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية انعكست في طريقته في السرد، واختياره للزوايا الإنسانية، وحرصه على نقل الصورة كما هي دون تكلّف. ذلك الشغف كان القنديل الذي أضاء له الطريق، ففتح أمامه أبوابًا واسعة، وسمح لمتابعيه أن يرافقوه في رحلات أضافت إلى معارفهم الكثير، ووسّعت نظرتهم إلى العالم.
وصول أحد فيديوهاته إلى حاجز المئة مليون مشاهدة على قناة يتابعها أكثر من عشرين مليون مشترك، ليس مجرد رقم قياسي في عالم المنصات الرقمية، بل مؤشر على تحوّل في ذائقة الجمهور. فالمشاهد، رغم سيل المحتوى السريع والخفيف، ما يزال قادرًا على التمييز بين ما يُستهلك سريعًا وما يبقى أثره. حين يصل محتوى ثقافي وإنساني إلى هذا الانتشار، فذلك يعني أن القيمة ما تزال تجد طريقها، وأن الرسائل الصادقة قادرة على المنافسة.
في زمنٍ يطغى فيه الاهتمام بالمظاهر والزخارف، يجيء نجاح محتوى هادف ليمنحنا بارقة أمل. أملٌ بأن هناك جمهورًا يقدّر الجوهر قبل الشكل، ويبحث عن المعنى قبل الإثارة. تجربة جو حطّاب تؤكد أن التأثير الحقيقي لا يحتاج صخبًا، وأن الوصول إلى الناس لا يتطلب دائمًا مبالغة، بل صدقًا في الطرح واحترامًا لعقل المتلقي. لقد وصلت رسالته بسلاسة، لأن الفكرة النبيلة تحتاج إلى الإحساس لا للفهم.
كما أن حضوره يقدّم نموذجًا ملهمًا للشباب العربي الراغب في صناعة محتوى مختلف؛ محتوى يرى في السفر معرفة، وفي الاختلاف الثقافي فرصة للتقارب، وفي الكاميرا وسيلة لبناء جسور بين الشعوب لا مجرد أداة للترفيه. هذا النوع من المحتوى يرسّخ صورة إيجابية عن الإنسان العربي الفضولي والمتفاعل مع العالم.
تجربة جو حطّاب تذكير بأن الشغف الصادق قادر على عبور الحدود وصناعة الأثر، وأن الرحلة حين تقوم على المعنى تصبح قيمة مضافة في حياة من يتابعها. وبين الأرقام القياسية والانتشار الواسع، يبقى الأثر الإنساني والمعرفي هو الإنجاز الأجمل والأبقى. هكذا تتحوّل صناعة المحتوى من مهنة عابرة إلى رسالة، ومن مشاهدة سريعة إلى تجربة تترك أثرًا طويلًا في الذاكرة.