ملفات إبستين: عندما تتحول الفضائح إلى بنية حكم خفية
المحامية رحمه العزه
لم تكن جزيرة جيفري إبستين مجرد مسرح لجرائم أخلاقية صادمة، بل تحولت إلى رمز سياسي بالغ الخطورة، يكشف جانبًا مظلمًا عن كيفية إدارة النفوذ في العالم المعاصر، فالقضية التي جرى التعامل معها كملف جنائي، سرعان ما تجاوزت هذا الإطار لتطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين السلطة، المال، الاستخبارات، واستخدام الفضائح كوسيلة لتوجيه القرار السياسي بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية
منذ تفجر القضية، بدا واضحًا أن إبستين لم يكن فاعلًا منفردًا، بل جزءًا من شبكة أوسع تضم سياسيين، رجال أعمال، وشخصيات نافذة، تقوم على تبادل المصالح والمعلومات الحساسة، وعلى منطق خطير مفاده "المعلومة الحساسة تساوي السلطة"، حيث تتحول المعلومة الخاصة إلى أداة نفوذ، والفضيحة المحتملة إلى وسيلة ضبط سياسي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ملفات إبستين عن بنية النفوذ داخل الولايات المتحدة، حيث يشكّل اللوبي الصهيوني أحد أكثر مراكز الضغط تنظيمًا وتأثيرًا على القرار الأمريكي، ليس فقط عبر التمويل السياسي أو النفوذ الإعلامي، بل من خلال آليات غير مرئية تتقاطع فيها المصالح الاستخباراتية والاقتصادية. وعندما يمتلك لوبي ما القدرة على تحييد صناع القرار أو إخضاعهم، يتحول التأثير من ممارسة ضغط سياسي مشروع إلى سيطرة فوق سيادية تعيد توجيه السياسة الخارجية بما يخدم أولويات المشروع الصهيوني العالمي، لا بالضرورة المصالح القومية الأمريكية.
في الأنظمة السياسية المغلقة، لم تعد أدوات السيطرة مقتصرة على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل برز سلاح الفضيحة القابلة للتسريب. فالساسة الذين يدركون أن تاريخهم الشخصي قد يتحول في أي لحظة إلى مادة ابتزاز، يفقدون تدريجيًا استقلاليتهم، ويصبحون أكثر ميلًا للصمت أو التنازل أمام قرارات لا تخدم المصلحة العامة. وتمثل ملفات جزيرة إبستين، بما احتوته من تسجيلات وعلاقات محرجة، النموذج الأوضح لهذا النمط من التحكم، حيث يكفي امتلاك هذه الملفات لتقييد صناع القرار سياسيًا، حتى دون استخدامها علنًا.
وتزداد خطورة القضية عند وضعها في سياق علاقة إبستين بإسرائيل، فوفق تحليلات متداولة في أوساط بحثية وإعلامية مستقلة امريكية وعربية، بأن علاقاته مع شخصيات إسرائيلية نافذة لم تكن علاقات اجتماعية عابرة، بل جزءًا من منظومة ابتزاز وتجنيد سياسي استهدفت شخصيات أمريكية ومؤثرة عالميًا، باستخدام الأطفال والقصّر في جرائم جنسية لا كأفعال منحرفة فحسب، بل كوسيلة لتجنيد وتوريط سياسيين في ملفات ضغط تُدار لاحقًا عند الحاجة.
ضمن هذا الإطار، تبرز هنا فرضية توظيف هذه الملفات للضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة في ظل تردده في اتخاذ قرار الحرب على إيران واتجاهه نحو الدبلوماسية، وتتعارض حسابات ترامب مع مصالح المشروع الصهيوني في المنطقة، ليعاد ملف جزيرة ابستين الى الواجهة لإجباره على التراجع أو الانصياع.
أما وفاة إبستين داخل زنزانته، فقد شكّلت منعطفًا حاسمًا في القضية، إذ أنهت أي احتمال لمحاكمة علنية قد تكشف أسماء وآليات كان من شأنها إرباك النظام السياسي الأمريكي. لم يُغلق الملف، بل جُمِّد عند الحد الذي لا يهدد بنية النفوذ العميقة، في نموذج يعكس نظامًا عالميًا تُدار فيه السياسة بتداخل رأس المال مع القرار، وتُستخدم فيه المعلومات كسلاح، وتُقصى الحقيقة عندما تهدد التوازن القائم، ورسالة واضحة مفادها أن هناك ملفات يُسمح لها بالظهور، لكن لا يُسمح لها بالاكتشاف الكامل.
ويبقى السؤال الأشد إرباكًا في هذه القضية لماذا لم يُحسم ملف إبستين قضائيًا حتى اليوم؟ ولماذا ظل عالقًا بين التسريبات والاتهامات دون محاكمات نهائية؟ فإذا كان الهدف من تحريك هذه الملفات هو فقط استهداف إدارة ترامب أو الضغط عليها في لحظة سياسية بعينها، فما الذي يفسّر فضح شخصيات سياسية أخرى سابقة وحالية، من اتجاهات مختلفة، بعضها لم يعد في موقع القرار أصلًا؟ هل نحن أمام استخدام سياسي انتقائي للفضيحة، أم أمام مشروع أوسع لتفكيك النخب السياسية التقليدية برمتها وإحراق كل الشخصيات الفاعلة تمهيدًا لإعادة إنتاج نخب سياسية جديدة، أكثر قابلية للضبط وأقل استقلالًا، بما يعيد صياغة السياسة الحديثة عالميًا وفق توازنات قوى جديدة لا تُدار عبر صناديق الاقتراع، بل عبر غرف الابتزاز والملفات المغلقة؟