كنوز تُولد من الألم: حكاية الغوص على اللؤلؤ في الخليج
بقلم محمد النجار
«أصيحُ بالخليج: يا واهبَ اللؤلؤِ والمحارِ والرَّدى»
بهذا النداء الشعري التقط بدر شاكر السياب مفارقة مهنةٍ تجمع الجمال والخطر معًا؛ فالمحار يمنح اللؤلؤ، لكنه يجاور الموت في رحلة الحصول عليه.
تبدأ حكاية اللؤلؤ في أعماق البحر من حادثٍ بسيط: دخول جسمٍ غريب إلى داخل الصدفة. يدافع المحار عن نفسه بإفراز طبقات من مادة لؤلؤية تُعرف بـ«أمّ اللؤلؤ» (الناكر) حول ذلك الجسم لحماية أنسجته. ومع تراكم هذه الطبقات عبر سنوات تتكوّن اللؤلؤة. من هنا، فالجوهرة التي تُزيّن الأعناق هي في الأصل أثرُ مقاومةٍ بيولوجية هادئة.
عرف الإنسان لؤلؤ الخليج منذ عصورٍ سحيقة، وتداولته الحضارات القديمة بوصفه حجرًا كريمًا نادرًا. وعلى سواحل الخليج العربي أصبح اللؤلؤ لقرونٍ طويلة عماد الرزق، حتى تحوّل الغوص إلى مهنة متوارثة لها نظامها الدقيق وأدوارها المحددة.
لم يكن الغوص مجرد عمل، بل أسلوب حياة. ينزل الغواص إلى أعماق قد تصل إلى ثلاثين مترًا، واضعًا مشبكًا على أنفه ليمنع دخول الماء، ومعتمدًا على قوة رئتيه وخبرته في حبس النفس. يتدرّب الغواص سنوات قبل أن يبلغ الاحتراف. يبدأ غالبًا «تبّابًا» يخدم الطاقم ويتعلّم، ثم يراقب الغواصين و«السيب» الذي يمسك الحبل ويتابع إشارات الغواص ليسحبه في اللحظة المناسبة، وكل ذلك تحت قيادة «النوخذة» ربان السفينة.
كانت الرحلات تمتد أحيانًا أربعة أشهر في عرض البحر، لذلك حضر «النهّام» بصوته وأغانيه ليخفف قسوة الغياب والتعب. لم تكن تلك الأغاني ترفًا، بل ضرورة نفسية تحفظ تماسك الطاقم في مواجهة العزلة والخطر.
بعد العودة، تُفتح الأصداف في عملية تُسمّى «فلج المحار» لاستخراج اللآلئ، ثم يأتي «الطواويش» وهم تجّار اللؤلؤ للمساومة والشراء. خلف كل لؤلؤة رحلة من الصبر والمخاطرة، وقد لا يعود الغواص منها سالمًا دائمًا بسبب الغرق أو الإرهاق أو تقلبات البحر.
الغوص على اللؤلؤ كان أيضًا نافذة على عالمٍ آخر تحت الماء؛ عالمٍ مختلف القوانين، يتباطأ فيه الزمن ويغدو فيه النفس الواحد أثمن من أي جوهرة. هناك يرى الغواص حياةً صامتة كاملة لا تشبه اليابسة، فيدرك أن البحر ليس مصدر رزق فقط، بل كونٌ موازٍ له إيقاعه وأسراره.
في أوائل القرن العشرين نجح الياباني ميكيموتو كوكيتشي في تطوير زراعة اللؤلؤ المستزرع، القريب جدًا من الطبيعي في شكله وجودته، فتراجعت تجارة اللؤلؤ الطبيعي تدريجيًا. ثم غيّر اكتشاف النفط موازين الاقتصاد في المنطقة، فتحوّلت مجتمعات كثيرة من الاعتماد على البحر إلى موارد أخرى، وبقي الغوص على اللؤلؤ جزءًا من الذاكرة والتراث.
اللؤلؤة في حقيقتها ليست مجرد زينة، بل سيرة مكثفة عن إنسانٍ تحدّى البحر، وكائنٍ بحري دافع عن نفسه، وزمنٍ كان الرزق فيه معلّقًا بخيط وحبل ونَفَس. حين نتأمل لؤلؤة قديمة، فإننا لا نرى بريقها فقط، بل نلمح في أعماقها ظلّ غواصٍ هبط إلى القاع مؤمنًا أن الجمال أحيانًا يولد من المخاطرة، وأن أثمن الكنوز قد تبدأ بحكاية خفية في جوف البحر.