ازدواجية الغرب في حقوق الإنسان: شعارات متناقضة وفضائح مكشوفة
بقلم: عوني الرجوب — باحث وكاتب سياسي
في العقود الأخيرة، تصدرت شعارات الغرب ومنظمات حقوق الإنسان المشهد الدولي: حرية الإنسان، تمكين المرأة، حماية الطفل، والمساواة. تتردد هذه الشعارات في المحافل الإعلامية والدبلوماسية، ويتبناها بعض قادة الدول الغربية كمعيار عالمي للمجتمعات العربية والإسلامية.
لكن الواقع يكشف ازدواجية صارخة. ما يُطالب به الآخرون لا يُمارَس داخليًا، والمجتمعات الغربية نفسها تعاني مشكلات حقوقية واجتماعية متجذرة. العنصرية ضد السود والأقليات، الانتهاكات في منظومات العدالة والشرطة، الفوارق الاقتصادية والاجتماعية المتنامية، واستغلال المرأة إعلاميًا واجتماعيًا وكأنها سلعة، كل ذلك موجود على أرض الواقع. الأطفال والفتيات والفتيان يتعرضون للاغتصاب والاستغلال، ذكورًا وإناثًا، بينما يُروج عنهم كجزء من الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الطفولة.
إن هذه المنظمات والدول التي تدعي القيادة في مجال حقوق الإنسان، غالبًا ما تتجاوز حدود الممارسة الأخلاقية داخل مجتمعاتها، بينما تطالب الآخرين بتطبيق معايير صارمة على مجتمعاتهم العربية والإسلامية. من الواضح أن الأهداف الحقيقية لهذه السياسات ليست حماية الإنسان، بل السيطرة الاجتماعية والثقافية، وفصل الأسرة والمجتمع عن موروثه وقيمه. لذلك، يجب على الدول والمجتمعات العربية أن ترفض هذه الازدواجية، وأن تخلعها من قاموسها الاجتماعي والثقافي، وأن تحمي أطفالها ونسائها بوعي كامل من التدخلات الخارجية.
فضائح جزيرة إبستين: الوجه المزدوج للغرب
واحدة من أبرز القضايا التي كشفت ازدواجية الغرب هي فضائح جزيرة إبستين. على هذه الجزيرة، جرت انتهاكات فظيعة بحق فتيات وفتيان، واستغلال جنسي غير إنساني، متورط فيه رجال أعمال وشخصيات بارزة. هذه الفضيحة لم تكن حالة منعزلة، بل رمز لما يحدث في قلب المجتمعات الغربية: استغلال الأطفال، الدعارة المنظمة، والانحلال الأخلاقي، بينما يُرفع شعار حماية الطفل وحقوق الإنسان في الخارج، كأداة ضغط سياسي واجتماعي على العالم العربي.
هذه الانتهاكات تظهر التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي المعلن وما يحدث على الأرض. الغرب يدعي الحرص على القيم الإنسانية، لكنه في داخله يسمح بانتهاكات صارخة ضد الأطفال والنساء، ويحاول تصدير نمط الحياة المنحرف وفكر الانحلال الخلقي إلى المجتمعات الأخرى عبر القوانين والاتفاقيات الدولية.
سيداوا وتمكين الطفل والمرأة: ازدواجية المعايير
اتفاقيات مثل سيداوا (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) والقوانين المتعلقة بحقوق الطفل غالبًا ما تُفرض على الدول العربية بوصفها حماية للمرأة والطفل. لكن عند النظر إلى الواقع الغربي نجد المفارقات: تُفرض حرية مطلقة على الفتاة لاتخاذ قراراتها منذ سن مبكرة دون مراعاة الآثار الاجتماعية، بينما الأطفال والفتيات والفتيان في مجتمعاتهم يُستغلون جنسيًا، ويُترك العديد منهم بلا حماية حقيقية. الأسرة تُفكك أحيانًا باسم الحرية، بينما المجتمعات الغربية نفسها تفشل في حماية مكوناتها الأساسية.
السؤال هنا: هل الهدف فعليًا حماية الأسرة والطفل والمرأة، أم تمرير أجندة اجتماعية وثقافية لتفكيك المجتمعات العربية والإسلامية؟ إن فرض هذه المعايير دون مراعاة للخصوصيات الثقافية والدينية هو محاولات لنقل الانحلال الخلقي والانتهاكات الأخلاقية إلى بيئتنا.
عندما يُطلب من فتاة أن تختار بين البقاء في بيت أسرتها أو الخروج دون إذن، فهذا يُطرح في بعض القوانين كحرية ذاتية مستقلة. لكن عند النظر إلى الواقع، فإن مثل هذه التوصيات قد تقوض أساس الأسرة التي تُعد حجرًا اجتماعيًا في الثقافات العربية والإسلامية.
ازدواجية الخطاب والممارسة
الخطاب الحقوقي الغربي غالبًا ما يُسوق في الخارج على أنه يدافع عن المرأة والطفل وحرية التعبير، بينما الواقع الداخلي يظهر انفصال هذه القيم عن الممارسة: العنف الأسري، عدم المساواة في الأجور، تفكك الأسر، استغلال الأطفال، الدعارة المنظمة، والانحلال الأخلاقي. من يُطالب العرب بتطبيق المعايير الصارمة هو نفسه غير ملتزم بها داخليًا.
لا يمكن أن يُؤخذ على محمل الجد خطابات الغرب ومنظمات حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بحماية الأطفال والمرأة، وهم أنفسهم يشهد تاريخهم على فضائح صادمة تتعلق باستغلال الفتيات والفتيان ذكورًا وإناثًا، واستغلال المرأة إعلاميًا واجتماعيًا وكأنها سلعة تُباع وتُشترى بدل أن تُعامل كمخلوق إنساني يستحق الاحترام والحماية.
تربيتنا العربية وقيمنا الدينية تحتم علينا حماية الطفل واحترام المرأة. هذا وارد في ديننا، ولا ننتظر من أي طرف خارجي أن يزاود علينا بأغراضه الخاصة بتفكيك المجتمعات الأسرية تحت ذرائع واهية. حماية الأسرة والمجتمع من الانحلال الخلقي والاجتماعي مسؤولية مجتمعية ناضجة لا تحتاج لمن يفرضها علينا تحت شعارات رنانة.
الخلاصة: حقوق الإنسان… قيمة ثابتة لا انتقائية
القيم الإنسانية — مثل حرية التعبير، تمكين المرأة، حماية الطفل، وإنهاء التمييز — يجب أن تُمارس بصدق داخليًا قبل أن تُطالب الآخرين بتطبيقها. الحقوق الحقيقية تُحترم وتُطبق، لا تُسوَّق وتُستغل سياسياً.
يجب على المجتمعات العربية حماية أطفالها ونسائها ورفض أي محاولات فرض أنماط سلوكية منحرفة، وحماية الأسرة والمجتمع من الانحلال الثقافي والأخلاقي الذي يحاول الغرب تمريره باسم حقوق الإنسان. الحقائق واضحة: الغرب نفسه لا يحمي المرأة والطفل كما يدعي، ويجب أن نكون يقظين وواعيين لهذه الازدواجية