بيتٌ من ياسمين: في رحاب دار نزار قباني
بقلم محمد النجار
في أزقة مئذنة الشحم الضيقة، بالقرب من سوق مدحت باشا، يقف بيت نزار قباني حارسا ً على ذاكرة دمشق. وصفه صاحبه يومًا بأنه يشبه قارورة عطر، لكن هذا التشبيه يبدو قاصرًا؛ فالعطر عابر، أما هذا البيت فكان عالمًا كاملًا من الجمال الطبيعي الذي يُعاش ولا يُستنشق فقط.
ما إن يُفتح الباب الخشبي حتى تتكشف روضة خضراء تتوسطها بحرة يتصاعد منها خرير الماء، وتدور الأسماك تحتها في حركةٍ تشبه الرقص. حولها أشجار النارنج والكباد والليمون، بينما تعرش الياسمين على النوافذ كأنها تلد الف قمر ، هذا المكان لم يكن الجمال فيه طارئًا، بل جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية ، ومنه تشكّلت حساسية نزار الشعرية؛ فالإنسان ابن بيئته، والشاعر يحمل بيئته في لغته. لذلك كان يقول إنه لا يستطيع الكتابة عن دمشق دون أن يعرش الياسمين على أصابعه.
داخل هذا الفضاء الجمالي كانت العائلة تصنع دفئها اليومي. في الإيوان يجلس الأب، أبو المعتز، مع غليونه وقهوته العربية الأصيلة، بينما تنشغل الأم بطحن البن وترتيب شؤون البيت، ثم تهيئ صباح المدرسة لطفلها المدلل، وتصنع له عرائس السكر. تلك التفاصيل البسيطة لم تكن عابرة في ذاكرة نزار؛ فقد ظلت حيّة في وجدانه، وظهرت واضحة في قصائده عن الأم والبيت، رغم أسفاره الكثيرة وعمله الدبلوماسي. كان يحمل طفولته معه أينما ذهب.
ومع مرور الزمن رحل الأب والأم، ثم رحل نزار نفسه، وانتقلت ملكية البيت إلى عائلة أخرى منذ عقود . لكن أثره لم يرحل. زائر الدار يشعر أن روح الفتى الشاعر ما تزال هناك؛ في ظلّ شجرة، أو قرب البحرة، أو عند نافذة ياسمين. هناك يتضح أن نزار لم يكن يحتاج إلى صخب المجالس في المقاهي ليولد شعره؛ فقد وجد في بيته عالمًا مكتملًا يغذّي خياله ويمنحه اكتفاءه الجمالي.
زيارة هذا البيت تشبه قراءة قصيدة صامتة؛ بعض البيوت لا تكون مجرد مساكن، بل مدارس سرية للجمال، وأن كان هذا البيت علّم طفلًا أن يحبّ التفاصيل الجمالية، فقد استطاع لاحقًا أن يعلّم مدينة كاملة كيف تُقال القصيدة.