أمل خضر تكتب | تعليم BITC… حين نعيد تعريف النجاح وننحاز إلى الواقع
في زمنٍ تتصاعد فيه معدلات البطالة، وتتبدل فيه خريطة المهن، وتتسارع فيه التحولات الاقتصادية إقليميًا وعالميًا، لم يعد التعليم مسألة اختيار اجتماعي تقليدي، بل أصبح قرارًا وطنيًا يرتبط بالأمن الاقتصادي والاستقرار المجتمعي. نحن أمام واقع معيشي يفرض علينا أن نُعيد النظر في ثقافةٍ طالما حصرت التفوق في مسارين اثنين، وكأن المستقبل لا يتسع إلا لمعطف طبيب أو مخطط مهندس، بينما سوق العمل يصرخ بحاجته إلى مهارات تقنية ومهنية متخصصة تواكب التطور الصناعي والتكنولوجي.
تعليم BITC لا يأتي كخيار ثانوي أو بديل اضطراري، بل كرؤية تعليمية حديثة تربط التأهيل الأكاديمي بالتدريب العملي وفق معايير دولية، وتحوّل الطالب من باحثٍ عن وظيفة إلى صانع فرصة. إنه تعليم يقرأ السوق قبل أن يُخرّج الطلبة، ويستجيب لحاجات الاقتصاد الوطني والعربي بدل أن يُغرقه في تخصصات مشبعة. ومن هنا تتجلى أهميته سياسيًا؛ فالدولة التي تستثمر في تعليم مهني تقني عالي الجودة، إنما تعزز أمنها الاجتماعي وتحد من البطالة التي قد تتحول من تحدٍ اقتصادي إلى عبء اجتماعي. فالشاب المنتج عنصر استقرار، والمهارة قوة وطنية، والتمكين الاقتصادي أحد أعمدة السيادة الحديثة.
اقتصاديًا، نحن نطالب دومًا بتخفيف الأعباء وتحسين مستوى الدخل، لكن ذلك لا يتحقق إلا حين يتوافر جيل يمتلك مهارات قابلة للتشغيل الفوري، قادرة على المنافسة، ومرتبطة باحتياجات السوق الحقيقية. كم من قطاعات تبحث عن فنيين وتقنيين محترفين ولا تجدهم؟ وكم من خريجين ينتظرون فرصة في مجالات لم يعد السوق يستوعبها؟ هنا يظهر الفارق بين شهادةٍ تُعلّق على الجدار، ومهارةٍ تفتح باب الرزق. تعليم BITC ينقل أبناءنا من دائرة الانتظار إلى دائرة الفعل، ومن ثقافة الاتكالية إلى ثقافة الإنتاج.
أما اجتماعيًا، فالتحدي الأكبر ليس في البرامج، بل في الذهنية. نحن مجتمع يميل إلى المألوف، ويخشى الجديد، ويبحث عن المسار “المريح” حتى لو لم يعد واقعيًا. عبارة “أولادنا كلهم أطباء ومهندسون” لم تعد تعكس طموحًا بقدر ما تعكس خوفًا من كسر الصورة النمطية. غير أن المجتمعات المتقدمة لا تقيس قيمة أبنائها بألقابهم، بل بإنتاجيتهم وإسهامهم في التنمية. ليس كل نجاح يمر عبر الجامعة التقليدية، كما أن التعثر في مسار أكاديمي معين لا يعني الفشل في الحياة؛ أحيانًا يكون ذلك مؤشرًا لاكتشاف طريقٍ أكثر انسجامًا مع قدرات الطالب وميوله.
إن رفض بعض الأهالي لفكرة التحاق أبنائهم بتعليم BITC، خصوصًا بعد تعثرهم أكاديميًا، مفهوم من زاوية عاطفية، لكنه غير مبرر من زاوية علمية واقتصادية. فالسؤال الحقيقي ليس ماذا يقول الناس؟ بل ماذا يحتاج سوقنا؟ وماذا يضمن مستقبل أبنائنا؟ نحن أمام حياة متطورة لا تنتظر المترددين، وأمام اقتصاد معرفي يقوم على الكفاءة لا على الألقاب. إن إعداد الأبناء للحياة أهم من إعدادهم لامتحان، وتأهيلهم علميًا وعمليًا وفق معايير دولية هو استثمار طويل الأمد في استقرارهم واستقرار وطنهم.
وهنا لا بد من توضيح مسألة جوهرية حتى لو تعثر الطالب أو لم يجتز بعض متطلبات برنامج BITC، فإن المسار لا يُغلق أمامه. طبيعة هذا التعليم قائمة على وحدات ومهارات مكتسبة، ما يعني أن الطالب يخرج بحصيلة عملية يمكن البناء عليها، ويظل مؤهلاً لدخول سوق العمل أو الالتحاق ببرامج تدريب إضافية أو استكمال مساره بطرق متعددة. إن الفلسفة التي يقوم عليها التعليم المهني التقني لا تختزل الطالب في نتيجة امتحان، بل في قدرته على الإنجاز والتطور. فالتأهيل هنا تراكمي، والمهارة لا تضيع، والخبرة تبقى رصيدًا حقيقيًا في مسيرة الشاب المهنية.
تعليم BITC ليس تعليمًا من الدرجة الثانية، بل خيار استراتيجي يعيد التوازن إلى سوق العمل، ويخفف الأعباء المعيشية عبر خلق فرص حقيقية، ويمنح الشباب كرامة الإنجاز وثقة المهارة. إما أن نستمر في إنتاج بطالة مؤجلة تحت مسميات براقة، أو نمتلك شجاعة التغيير ونصنع جيلًا قادرًا على المنافسة والإبداع.
المستقبل لا يصنعه من يرفض الجديد، بل من يتقنه. وتعليم BITC ليس تنازلًا عن الطموح، بل إعادة تعريف له بما ينسجم مع الواقع، ويخدم الوطن، ويمنح أبناءنا فرصة حقيقية للحياة الكريمة.