تعديلات الضمان: عندما يكون "الحل الاكتواري" وقوداً لأزمة البطالة


في الوقت الذي تخرج فيه علينا الحكومة بأرقام "الدراسة الاكتوارية" كمسلّمات لا تقبل النقاش، مبشرةً بتأجيل "نقطة التعادل" لمؤسسة الضمان الاجتماعي حتى عام 2042، نجد أنفسنا ملزمين – قانونياً ووطنياً – بقراءة ما بين السطور، وتفكيك هذه "الجراحة" التي تُجرى لجسد الضمان، لكن أدواتها تقطع في لحم الشباب الحي.
المسألة ليست مجرد أرقام صماء في ميزانية مؤسسة، بل هي خيارات تشريعية تمس "الأمن المعيشي" للأردنيين. والناظر بعين الفحص للتعديلات المقترحة، وتحديداً رفع سن التقاعد الوجوبي وتقليص التقاعد المبكر، يدرك أننا أمام "قنبلة موقوتة" في سوق العمل، وليس مجرد إجراء تصحيحي مالي.
أخطر ما في هذا التعديل هو ما يمكن تسميته بـ "تجلط الشرايين الوظيفية". فسوق العمل الأردني محدود القدرة أصلاً، ويعتمد في ديناميكيته على إحلال الدماء الجديدة مكان الخبرات التي تترجل. حينما يُجبر القانون الموظف على التمسك بكرسيه لسنوات إضافية (تصل لـ 65 عاماً)، فنحن عملياً نغلق الباب والمفتاح في وجه آلاف الخريجين الجدد. نحن نؤجل أزمة "عجز الضمان" لنخلق أزمة أكبر وأشرس اسمها "بطالة الشباب"المعادلة بسيطة ومؤلمة: بقاء الموظف القديم يعني "لا شاغر" للموظف الجديد.
ومن زاوية قانونية بحتة، تثير هذه التعديلات إشكالية "زعزعة الاستقرار التشريعي". فالمواطن الذي بنى خطة حياته والتزاماته المالية وحتى ديونه البنكية على أساس تقاعد عند سن الستين، يجد نفسه فجأة أمام "قواعد لعبة" جديدة فُرضت عليه في منتصف الطريق. هذا المساس بالمراكز القانونية، وإن غُلّف بعبارات "الحقوق المكتسبة"، يضرب في الصميم مبدأ الثقة المشروعة بالقانون، ويجعل الحق التقاعدي يبدو وكأنه منحة متغيرة، لا حقاً أصيلاً وثابتاً.
أين العدالة في تطبيق "مسطرة واحدة" على الجميع؟ من الإجحاف التشريعي مساواة من يجلس في مكتب مكيف بمن يعمل في المهن الشاقة أو الخطرة وحيث ان رفع سن التقاعد للجميع دون تمييز حقيقي لطبيعة المهن هو نوع من "الظلم المقنن" هناك قطاعات تُستنزف فيها طاقة العامل جسدياً قبل الستين، وإجباره على العمل بعدها ليس استدامة، بل هو "إرهاق" قد ينتهي به عاطلاً عن العمل أو عاجزاً قبل أن يصل لسن التقاعد الجديد.
وحتى بمنظور آخر اجد ان التعديلات تحمل في طياتها انكماشاً غير معلن فالاحتفاظ بكبار الموظفين (ذوي الرواتب العالية بحكم الأقدمية) لسنوات أطول سيرفع كلف التشغيل على الشركات والمؤسسات المشغلة ، مما سيضطرها لتقليص التوظيف الجديد لضبط النفقات  وهكذا، يدفع الاقتصاد كله الثمن.
وفي رأيي ككاتب لهذا المقال ، نحن مع ديمومة مؤسسة الضمان الاجتماعي، فهي رصيد الأردنيين وذخيرتهم، لكن "الاستدامة المالية" لا يجب أن تتحقق عبر تحويل المؤسسة إلى جابي ضرائب بزيادة سنوات الخدمة وحيث ان الحل يكمن في تحفيز النمو الاقتصادي، ومحاربة التهرب التأميني، وخلق استثمارات حقيقية، لا في ترحيل الأزمات من دفاتر المؤسسة إلى مستقبل شبابنا العاطل عن العمل.
الحكمة تقتضي أن نعالج "العجز المالي" دون أن نتسبب بـ "عجز اجتماعي" لا تحمد عقباه.
بقلم : حسن معدي - ناشط حقوقي وباحث قانوني