حافظوا على الشرفاء… ولو كانوا خصومكم

 

بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

 

الشرفاء صمام الأمان

في عالمٍ سريع التغيّر، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم المواقف، ويختلط الحق بالضجيج، يغفل كثيرون عن قيمة الشرفاء في حياتهم السياسية والاجتماعية والوطنية.

غير أن الحقيقة الثابتة التي لا تتبدل هي أن الشرفاء يستحقون الاحترام والتقدير، ولو كانوا خصومكم أو مختلفين معكم في الرأي والموقف.

الشرف لا يعرف عداءً، ولا يخضع لموازين المصالح المؤقتة، ولا ينحني أمام الضغوط العابرة.

الشريف يبقى شريفًا دائمًا، وقيمه ثابتة مهما تقلبت المصالح حوله.

والأمم التي تدرك قيمة الشرفاء هي أمم تعرف كيف تحمي نفسها، لأن الشرفاء هم الضمانة الحقيقية للقيم، وصمام الأمان في زمن الاضطراب.

 

حضور الشرفاء في التاريخ

الشرفاء لا يختفون عن المشهد، بل نجدهم اليوم في الندوات والمحاضرات، يتحدثون عن الأردن وتاريخه، ويتغنون ببطولاته وأمجاده.

يرون التاريخ بأمانة وجرأة، لا يأبهون في قول الحق من أحد، ويكتبون السردية الأردنية بكل صدق وإخلاص.

لقد تجرأوا على قول الحق في زمن آثر فيه كثيرون الصمت، وغاب فيه الصوت الصادق عن بعض المنابر.

وجودهم يعيد الثقة في وجدان الأمة، ويذكّر الجميع أن الوطن لا يُبنى إلا بالصدق والشرف والوفاء، وأن أمجاد الماضي ليست حكايات تُروى، بل دروس تُستعاد ومبادئ تُصان.

 

الروابدة… رجل الدولة

اليوم، ونحن أمام سجال حول السردية الأردنية، يصبح من الواجب قول كلمة حق دون تردد.

فعندما يتحدث دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة،

فهو لا يخوض سجالًا شخصيًا، ولا يبحث عن تصفيق عابر، بل يتحدث من موقع رجل دولة عايش مفاصل القرار، وخبر التحديات، وحمل مسؤوليات ثقيلة في مراحل دقيقة من تاريخ الأردن.

قد نختلف معه في بعض التفاصيل، وهذا حق مشروع، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الاختلاف إلى تجريح، أو أن يجعل من الثبات على المبدأ تهمة.

الروابدة ليس طارئًا على الدولة، ولا عابرًا في تاريخها، بل جزءًا من بنيتها السياسية والإدارية، وعرف تفاصيلها، وبقي مدافعًا عن هويتها وثوابتها.

وأقولها بوضوح وبصوت عالٍ:

أفتخر عندما أذكر اسم دولته، إذ تربطني به صلة النسب والقربى والصداقة والمحبة والأخوة، وجمعتنا الصريح على محبتها ومحبة أهلها، وعشنا قريبين من بعضنا بالمحبة والتعاون والتكافل، وحسن الجوار، وصدق التعامل، والود الذي يجمعنا.

وأنا لا أمدح أحدًا في حياتي لمصلحة، وأتحدى أن يقول لي أي شخص إن الروابدة خدمك يومًا في موقع من المواقع. لم يخدمني، ولم أطلب منه شيئًا، ولم أسعَ وراء منفعة.

أنا أشيد بمواقف الرجال، وأُعطي كل رجل حقه في كل موقف رجولي، حتى لو كان خصمي.

أبا عصام رجل دولة، ورجل موقف، ومحسوب على الكرك والطفيلة والعقبة ومعان ومادبا والسلط وعمان والزرقاء قبل أن يُحسب على الصريح وإربد وعجلون وجرش والمفرق. هو ابن الأردن كله، كما أن الأردن كله يعرف رجاله.

 

الشرفاء فوق الخصومة

ليس كل اختلاف خصومة، وليس كل نقد غيرة.

لكن حين يتحوّل النقاش من مناقشة الفكرة إلى محاولة النيل من القامة، يصبح الواجب الأخلاقي أن نقف مع الشرفاء، حتى لو اختلفنا معهم في بعض التفاصيل.

الشرفاء في هذا الوطن — ومنهم دولة الروابدة — هم الذين حملوا الدولة في مراحل دقيقة، وحافظوا على مؤسساتها، وصانوا توازنها الداخلي، وواجهوا العواصف دون ضجيج. هؤلاء لا يُقاس حضورهم بعدد المتابعين، بل بثقل التجربة وصدق الانتماء.

إن الدفاع عن الروابدة ليس دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن فكرة الدولة ذاتها.

فالسردية الأردنية ليست شعارًا عابرًا، بل رواية وطنٍ بُني بالتضحيات، وترسّخ بالوعي، واستمرّ برجالٍ آمنوا به مشروعًا لا صفقة.

ومن ينتقد بدافع الغيرة أو الحسابات الضيقة، فإنما يخطئ في التقدير قبل أن يخطئ في الحكم.

الدول لا تُدار بالحسد، ولا تُبنى بالمزايدات، ولا تُصان بالتشكيك في كل رمزٍ وطني.

 

المبادرة الوطنية

ومن هنا أقدم هذه المبادرة، وأطلقتها للدعوة إلى تشكيل هيئة وطنية برئاسة دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة،

تضم رجالات الوطن، سياسيين، أحزابًا، شخصيات عامة، أساتذة، مؤرخين، كتابًا وإعلاميين، وشيوخ عشائر، لتعزيز السردية الأردنية وترسيخها على أسس وطنية ثابتة.

وأضع نفسي بكل خبرتي ومعرفتي السياسية والحزبية والثقافية والصحفية، وكباحث وكاتب سياسي، في خدمة هذه الهيئة، مع أن فكرتي من هذه المبادرة هي الداعم الكامل لاستمراريتها ونجاحها، وليس لمصلحة شخصية، بل لإعلاء الصوت الوطني، وضمان أن تكون السردية الأردنية عملًا مؤسسيًا متينًا، يحمي التاريخ ويصون الهوية.

وأعتبر أي مشاركة فيها شرفًا وواجبًا وطنيًا، وكل ما أقدمه فيها هو خدمة للوطن والشعب، وليس لأي اعتبار شخصي أو مناطقي.

السردية الأردنية ليست اجتهادًا فرديًا، بل مشروع وطن، ومسؤولية دولة، وأمانة تاريخ. حملها الروابدة على كتفيه صلبًا قويًا، مدافعًا شرسًا.

 

حافظوا على الشرفاء…

لأنهم صمام أمان الدولة.

وأنصفوا أصحاب التجربة…

لأن إنصافهم إنصافٌ للأردن.

فالدولة تقوم على الرجال الثابتين، لا على الأصوات المرتفعة.

ومن يعرف قيمة الوطن، يعرف قيمة رجاله