الأردن ليس ساحة حرب:ما الذي يجب أن نفعله قبل أن يُفرض علينا الواقع؟
بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع الأمر وكأنه خبر خارجي نتابعه من بعيد.
الحقيقة الصريحة هي:
إذا اندلعت الحرب، فإن الأردن سيكون ضمن نطاق التأثر المباشر سواء أراد ذلك أم لا.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
ليس لأن الأردن طرف في الصراع، بل لأن الجغرافيا لا تستأذن أحدًا، والصواريخ لا تعترف بالحدود، والارتدادات الاقتصادية لا تنتظر قرارات سياسية.
السؤال لم يعد: هل ستحدث الحرب؟
بل أصبح: هل نحن مستعدون إذا حدثت؟
أخطر ما يمكن أن نفعله هو الانتظار
التاريخ يعلمنا درسًا واضحًا: الدول لا تُفاجأ بالحروب، بل تُفاجأ بعدم جاهزيتها لها.
الاعتماد على أن “الأمور ستمر بسلام” ليس استراتيجية، بل مخاطرة غير محسوبة.
ومن منظور إدارة المخاطر، فإن الوضع الحالي يُصنّف بوضوح: خطر عالي الاحتمالية وعالي التأثير ضمن المنطقة الحرجة. أي أن التأخير في الاستعداد ليس خيارًا محايدًا، بل هو قرار بزيادة الخطر.
الأولوية المطلقة: الأردن ليس جزءًا من المعركة
يجب أن يكون هناك موقف وطني واضح لا يحتمل التأويل: الأردن لن يكون منصة لأي تصعيد، ولن يكون جزءًا من أي مواجهة.
هذا يتطلب:
• وضوحًا سياسيًا لا يقبل الرمادية
• إدارة دقيقة للعلاقات الدولية
• رفضًا عمليًا وليس نظريًا لأي استخدام للأراضي أو الأجواء الأردنية في الصراع
الحياد هنا ليس شعارًا، بل سياسة سيادية يجب فرضها بوعي وقوة.
الإنذار المبكر ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأول
في زمن الصواريخ والطائرات المسيّرة، الفارق بين الحياة والموت قد يكون دقائق.
لا يكفي وجود نظام إنذار، بل يجب:
• أن يكون شاملًا وفعّالًا على مستوى المملكة
• أن يفهمه المواطن بوضوح
• أن يقترن بتعليمات فورية وبسيطة
أي خلل في هذه المنظومة يعني فقدان أهم عنصر في إدارة الأزمة: الوقت.
المواطن غير المُدرّب… نقطة ضعف وطنية
دعونا نكون صريحين: إذا لم يكن المواطن يعرف ماذا يفعل عند سماع الإنذار، فإن أي نظام مهما كان متطورًا سيفشل.
يجب أن يتحول السلوك العام إلى انضباط تلقائي:
• دخول فوري إلى المباني
• الابتعاد عن النوافذ
• الالتزام الصارم بالتعليمات
هذا ليس “تثقيفًا عامًا” بل جزء من الأمن الوطني.
أكبر خطر داخلي: تعدد مراكز القرار
في الأزمات، الخطأ القاتل ليس نقص الموارد، بل الفوضى في القيادة.
لا يمكن إدارة أزمة وطنية عبر عدة أصوات.
يجب أن يكون هناك مركز واحد للقرار، وصوت واحد للإعلام، وتعليمات واحدة للميدان.
المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات ليس خيارًا، بل يجب أن يكون العقل الوحيد الذي يدير المشهد بالكامل.
الحرب الحديثة تضرب الأنظمة قبل أن تضرب الأرض
الكهرباء، المياه، الاتصالات، الوقود هذه ليست خدمات، بل شرايين الحياة.
وأي خلل فيهاحتى دون ضربة مباشرة قد يؤدي إلى:
• شلل اقتصادي
• اضطراب اجتماعي
• فقدان السيطرة على الوضع الداخلي
كما أن الهجمات السيبرانية أصبحت جزءًا أساسيًا من أي صراع.
بمعنى واضح: حماية البنية التحتية اليوم تعادل حماية الحدود.
القطاع الصحي: الاختبار الحقيقي للجاهزية
أي أزمة ستظهر فورًا في المستشفيات.
السؤال ليس هل ستصل الحالات، بل:
• هل لدينا قدرة استيعاب كافية؟
• هل هناك خطط طوارئ واضحة؟
• هل التنسيق بين الجهات جاهز للتنفيذ فورًا؟
الجاهزية الصحية ليست بندًا إداريًا، بل مؤشر حقيقي على قوة الدولة.
الحرب النفسية بدأت بالفعل
أخطر ما يسبق الحروب ليس الصواريخ، بل الشائعات. معلومة خاطئة واحدة قد تخلق ذعرًا أكبر من أي تهديد حقيقي.
لذلك: إدارة المعلومة ليست عملًا إعلاميًا، بل جزء من الأمن الوطني.
الصمت فراغ والفراغ يُملأ بالشائعات.
الاستعداد ليس خوفًا، بل مسؤولية
هناك من يعتقد أن الحديث عن الاستعداد يُسبب القلق.
الحقيقة عكس ذلك تمامًا:
الاستعداد يخفف الخطر أما تجاهله فيضاعفه.
على مستوى الأفراد:
• تجهيز بسيط داخل المنزل
• خطة تواصل عائلية
• فهم واضح لما يجب فعله
هذه ليست مبالغة، بل سلوك دولة واعية وشعب مسؤول.
الخلاصة: الفرصة ما زالت قائمة، ولكنها لن تبقى طويلًا
الأردن لا يريد الحرب، ولن يكون طرفًا فيها، لكنه لن يكون بمنأى عن آثارها.
لدينا فرصة الآن وليس لاحقًا، لبناء جاهزية حقيقية.
الدول القوية لا تنتظر الخطر، بل تستبقّه.
والمعادلة التي يجب أن تُفهم بوضوح:
إما أن ندير المخاطر أو ستديرنا هي.
إخلاء المسؤولية:
تمثل هذه المقالة الآراء والتفسيرات والاجتهادات المهنية الشخصية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهي لأغراض معلوماتية وتثقيفية فقط، ولا تشكل نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. وقد تم بذل أقصى جهد لضمان دقة المعلومات، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية عن أي أخطاء أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على ما ورد فيها. ويُنصح القراء والجهات المعنية باستخدام حكمهم الخاص وتكييف ما ورد بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.