العراق بين كمّاشة الحُكمَين الأميركي والإيراني
الحدث
تطوّرات إيران
/tag/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86
الحرب على غزّة
/special-coverage/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%BA%D8%B2%D9%91%D8%A9-%D9%8…
أخبار عاجلة
/news/breaking
Ramadan Logo
القدس الشريف
night icon 5°
مقالات
آراء
العراق بين كمّاشة الحُكمَين الأميركي والإيراني
آراء
نضال منصور
26 فبراير 2026
X
انشر
+
الخط
-
هل كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستطيع أن يضع "فيتو" على ترشيح نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق قبيل تقليم أظافر إيران، بعد العدوان الذي أنهكها في يونيو/ حزيران الماضي، وفي إثر الضربات الموجعة التي وُجّهت إلى حليفها حزب الله في لبنان، وبعد التهديدات الصريحة للأحزاب السياسية الداعمة لطهران في بغداد؟
بعد تغريدة مقتضبة في منصّة تروث سوشال حذّر فيها من إعادة تنصيب المالكي رئيساً للحكومة، معتبراً أن فترة حكمه السابقة أدّت إلى انحدار العراق نحو الفقر والفوضى، استطاع ترامب أن يبعثر أحلام المالكي بالعودة إلى الحُكم في بغداد، وأن يشقّ صفّ "الإطار التنسيقي" الداعم لترشيحه، وأن يشيع حالةً من الفوضى السياسية. ورغم تمسّك المالكي حتى اللحظة بالترشّح، يرى متابعون عديدون للشأن العراقي أن فرصَه باتت صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وأنّ الإطار التنسيقي يبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه له وللمالكي.
ولم يعد خافياً أنّ هناك انقساماً يتعمّق داخل الإطار التنسيقي الشيعي، وأن شخصيات وازنة مثل رئيس الحكومة، محمّد شيّاع السوداني، وعمّار الحكيم وقيس الخزعلي وحيدر العبادي وهادي العامري وهمام حمودي يعلنون عدم تأييدهم استمرار ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، إذ يدركون أنهم لا يستطيعون خوض مكاسرة سياسية مع واشنطن، بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها ستعيد تقييم علاقاتها مع العراق في حال المضي في ترشيحه. ما هو غير مُعلَن هو الأخطر؛ فالتلويح الأميركي بفرض عقوبات على العراق يثير حالةً من القلق والرعب في بغداد، فالتسريبات بشأن فرض عقوبات على البنك المركزي، وبعض المصارف، وشركة النفط الوطنية، تعني شلّ النظام الاقتصادي العراقي، وهو ما لا تحتمل بغداد مواجهته، ولا تقبل به القيادات العراقية حتى المقرّبة من المالكي.
التلويح الأميركي بفرض عقوبات على العراق يثير حالةً من القلق والرعب في بغداد
ولا ينفصل التلويح بالعقوبات عن رسالة "الوصايا السبع" أو "الشروط السبعة" التي وصلت إلى بغداد من القيادة الأميركية عبر سفير العراق في واشنطن نزار خير الله، وتضمّنت المطالبة بنزع سلاح المليشيات العراقية المتحالفة مع إيران خلال فترة لا تتجاوز عاماً، ومواجهة فورية للفساد المالي وغسل الأموال، وإصلاح النظام القضائي وفكّ ارتباطاته السياسية، وإنهاء التدخّل الإيراني، وتحديد دور قوات الحشد الشعبي بشكل صارم من دون هياكل خارج وزارتي الدفاع والداخلية، وتشكيل حكومة كفاءات تخضع للمساءلة الشعبية. إذاً، تتجاوز الأوامر الأميركية حدود ترشيح المالكي، عنوان الأزمة الحالية، وتسعى إلى إعادة بناء النظام العراقي، وكأنّها تنقضّ على نظام المحاصصة الطائفية الذي صنعته من قبل ورسّخت شرعيته بعد إسقاط نظام البعث بقيادة الرئيس صدّام حسين.
خرج رئيس الحكومة العراقية الأسبق مصطفى الكاظمي عن صمته في حديث متلفز أخيراً، معترفاً بأن النظام السياسي العراقي شاخ مبكّراً، مطالباً بمراجعة حقيقية للواقع وللنظام السياسي حتى لا تتكرّر الأخطاء وتستمرّ حالة الشلل. ويقترب الكاظمي في نقده من التابوهات التي ظلّ مسكوتاً عنها أكثر من عقدَين، حين يقول: "بعد عام 2003 جئنا بنظام المكوّنات الطائفية، وكأنّنا نعيش في القرون الوسطى. وما نحتاجه الآن حوار عراقي – عراقي، فهذا أفضل من اللجوء إلى خيارات سياسية تُفرض علينا من الخارج"، مؤكّداً أن التدخّل في العراق ليس أميركياً فقط، بل هناك أطراف عديدة أخرى تتدخّل في الشأن العراقي.
كرة الثلج تتدحرج، وملفّ الفيتو الأميركي على ترشيح المالكي ربّما يفتح الباب لخلع "الثوب السياسي" الذي لبسه العراق بعد سقوط النظام في عام 2003. والحقيقة التي تحتاج إلى نقاش واقعي: هل الإدارة الأميركية فعلاً تريد تغيير الواقع في العراق بعد أن قدّمته لقمةً سائغةً للنظام الإيراني من قبل؟ وهل تسعى إلى ما هو أبعد من التحذير من "البعبع" الإيراني؟ وهل القيادات السياسية المستفيدة من الحالة الراهنة مستعدّة لأن تخلع جلدها، وتنقلب على إفرازات المسار الطائفي ومنظومة المصالح التي ترسّخت؟
رغم انشغالات طهران في المفاوضات مع واشنطن لمنع الاعتداء عليها، ما زال الشأن العراقي مهماً، فإيران تدرك أنّ انسحابها الطوعي من السيطرة خارج حدودها، والتوقّف عن اللعب في ملفّات إقليمية، يضعفها، وربّما يكون العراق ورقةَ تفاوض غير معلنة مع الإدارة الأميركية، تُقدَّم حين تشتدّ الضغوط بوصفها تنازلاً مهماً.
لن تحقّق واشنطن الإصلاح السياسي في العراق بـ"الريموت كنترول"، فحتى "ربيع بغداد" (2018) لم ينتج تغييراً جذرياً، رغم سقوط ضحايا وارتفاع سقف المطالب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبروز جيل شاب يعرف التحدّيات الجذرية في بنية النظام العراقي القائم. ما يحتاج إليه العراق الآن أكثر من تغيير اسم رئيس الوزراء ليخرج من أزمته المستمرّة منذ عقود؛ فلا حكم "البعث" حقّق أحلامه بالحرية والديمقراطية، ولا من جاء بعد دبابات الاحتلال الأميركي إلى الحُكم استطاع أن يتخلّص من العباءة الطائفية، ويحقّق تنميةً مستدامة، ولو في أقلّ صورها.
الأوامر الأميركية للعراق تتجاوز حدود ترشيح المالكي رئيساً للحكومة وتسعى إلى إعادة بناء النظام العراقي
سيخرُج المالكي من سباق رئاسة الحكومة؛ فالسيناريوهات التي يقلّبها "الإطار التنسيقي" تتمثّل في أن ينسحب المالكي طوعاً، ومن تلقاء نفسه، أو أن يقرّر أغلبية قادة الإطار سحب ترشيحه علناً. أمّا الخيار الأخير (وهو المستبعَد) فهو أن يصرّ المالكي على الترشّح، ويكمل معركته بدعم "التنسيقي". وإذا حدث ذلك، فهو إعلان حرب مفتوحة مع الإدارة الأميركية، ومع الرئيس ترامب، الذي يحبُّ أن يُخضع الجميع لأوامره.
سيزداد الضغط لحسم ترشيح رئيس للوزراء في العراق، للمضي بعد ذلك في اختيار رئيس للجمهورية من المكوّن الكردي، ورئيس للبرلمان من المكوّن السنّي. وتشير التسريبات إلى وجود بدائل محتملة للمالكي؛ فالتجديد لرئيس الوزراء محمّد شيّاع السوداني خيار متاح وسهل، لكن هناك أسماء أخرى مطروحة بقوة، مثل حيدر العبادي ورئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، كما يُعاد طرح اسم مصطفى الكاظمي خياراً مقبولاً غربياً وعربياً.
ما بين معادلات الداخل الوطني ومعادلات التوازن مع الرغبات، والأوامر الدولية والإقليمية، يعيش العراق أزماته، وليس قدراً محتوماً أن يبقى بين كمّاشة الحُكمين الأميركي والإيراني، أو كليهما معاً، ومن حقّه أن يحاول الخروج من مستنقع الاستقطابات المحلّية والعالمية بأقلّ الأضرار، وفي المحصلة يدفع الشعب الضريبة؛ فالمؤكّد أن نهضة العراق لا تسرّ من لا يحبّونه.