حرب النفط والهيمنة: هل تمثل المواجهة مع إيران الجولة الثانية في صراع أمريكا والصين على قيادة العالم؟
عمر ضمرة
في خضم التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز المواجهة المتصاعدة مع إيران بوصفها حلقة جديدة في سلسلة صراعات تتجاوز حدود الإقليم، لتتشابك مع المنافسة الاقتصادية والتجارية العالمية بين أمريكا والصين. فالمشهد الدولي اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن سباق النفوذ على مصادر الطاقة، ولا عن التغيرات المتسارعة في موازين القوة الاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي يضع أي تصعيد عسكري أو سياسي في إطار أوسع يتصل بإعادة تشكيل النظام العالمي.
إن ما يوصف بـ"الجولة الثانية من العدوان الصهيوأمريكي على إيران"، يمكن فهمه ضمن مسار استراتيجي طويل تسعى من خلاله واشنطن إلى إحكام السيطرة على منابع الطاقة العالمية، إذ تم السيطرة على فنزويلا، بوصفها أكبر دولة في العالم باحتياطي النفط العالمي، وتأتي إيران في المرتبة الثانية من حيث إحتياطي النفط العالمي بعد المملكة العربية السعودية.
ولا يمكن فصل العدوان المتواصل على قطاع غزة وما يتعرض له الشرق الأوسط من تصعيد عسكري وسياسي، لا يمكن فصله عن معادلة الطاقة والصراع الدولي على الموارد. فهذه الحرب ـ وفق هذا التصور ـ تشكل محطة ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يضمن التحكم بخطوط الغاز والنفط في شرق المتوسط ومنع القوى الصاعدة من الاستفادة منها.
ويستدل على هذا الطرح بتصريحات السفير الأمريكي لدى الاحتلال الصهيوني مايك هاكابي التي أشار فيها إلى ما اعتبره "حق" الكيان الصهيوني في توسيع سيطرته على مناطق مجاورة، بل والتلميح إلى أجزاء من المملكة العربية السعودية، وهو مما يعد انعكاساً لرؤية جيوسياسية أوسع تسعى إلى تحقيق مشاريع توسعية طالما حلمت بها الحركة الصهيونية منذ عقود.
ويستعيد هذا السياق واحدة من أهم محطات التوتر بين واشنطن وطهران، حين ألغت الإدارة الأمريكية في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب الاتفاق النووي الذي كان يسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة محددة لا تتجاوز 3.67 بالمئة. وقد شكل ذلك القرار نقطة انعطاف حادة في مسار العلاقة بين البلدين، وأعاد إشعال فتيل التوتر في منطقة تعد أصلاً من أكثر مناطق العالم حساسية واستقطاباً.
إن عودة ترامب إلى المشهد السياسي بدعم واضح من الكارتيلات النفطية في الولايات المتحدة لم تكن مجرد حدث انتخابي عابر، بل جاءت ـ وفق هذا المنظور ـ باعتبارها "ضرورة قومية أمريكية" في ظل احتدام المنافسة الاقتصادية مع الصين. فواشنطن، رغم سلسلة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها للحد من صعود بكين، مثل: رفع الرسوم الجمركية والضغط على قيمة العملة الصينية، لم تتمكن من إبطاء اندفاعة الاقتصاد الصيني الذي يواصل تسجيل معدلات نمو لافتة ويعزز حضوره في الأسواق العالمية.
في المقابل، شهد النظام المالي الدولي تحولات لافتة، تمثلت في تراجع الثقة العالمية بالدولار الأمريكي، خاصة مع غياب الغطاء الذهبي للعملة منذ عقود، إذ انعكس ذلك في الارتفاع القياسي لأسعار الذهب، وفي توجه عدد من الدول، وعلى رأسها الصين، إلى توسيع استخدام عملتها الوطنية "اليوان" في المبادلات التجارية الدولية، لا سيما ضمن إطار "البريكس" الذي يضم اقتصادات صاعدة تسعى إلى تقليص هيمنة الدولار على التجارة العالمية.
وعلى الضفة العسكرية من المشهد، تتعزز المخاوف الغربية مع تصاعد الخطاب الصيني بشأن استعادة جزيرة تايوان، وهي القضية التي تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية المعاصرة. فقد صدرت في السنوات الأخيرة تصريحات صينية واضحة تشير إلى إمكانية استعادة الجزيرة بالقوة إذا لزم الأمر، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مواجهة استراتيجية مباشرة مع الغرب.
وفي الوقت ذاته، لم تحقق الحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا النتائج التي راهن عليها الغرب في إضعاف موسكو واستنزاف قدراتها العسكرية وتقهقرها الإقتصادي. فبعد سنوات من الدعم العسكري والاقتصادي الهائل لكييف، ما تزال روسيا قادرة على الصمود، بل وتحتفظ بدورها كحليف استراتيجي للصين في مواجهة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
هذه المعطيات مجتمعة تضع العالم أمام مشهد شديد التعقيد، حيث تتشابك الأزمات الإقليمية مع صراع القوى الكبرى على النفوذ والموارد. وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة رسم خريطة السيطرة على الطاقة العالمية، سواء عبر احتواء إيران أو عبر منع الصين من توسيع استثماراتها النفطية في مناطق استراتيجية.
وما يعزز هذا التصور، أن واشنطن اعتبرت أن تدخلاتها السياسية والاقتصادية، في فنزويلا، واختطاف رئيسها الشرعي المنتخب، تستهدف بالدرجة الأولى الحد من وصول الصين إلى الموارد النفطية الفنزويلية، خصوصاً أن البلاد تعد من بين أكبر الدول امتلاكاً للاحتياطيات النفطية في العالم إلى جانب إيران والمملكة العربية السعودية.
كما أن الشراكة الاقتصادية المتنامية بين بكين وطهران، والتي تشمل استثمارات صينية واسعة في قطاع الطاقة الإيراني مقابل إمدادات نفطية طويلة الأمد، تشكل مصدر قلق استراتيجي لواشنطن، إذ أن تعزيز هذا التعاون يعني توسيع النفوذ الاقتصادي الصيني في منطقة تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية.
وبينما تتسارع هذه التطورات، يزداد القلق من أن يتحول الصراع الاقتصادي إلى مواجهة أوسع نطاقاً، خاصة مع احتدام المنافسة على الموارد والأسواق. فالعالم اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع الصراعات العسكرية والتحالفات الجديدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء التوتر التي سبقت الحروب الكبرى في القرن الماضي.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبقى دول العالم الثالث الساحة الأكثر تأثراً بتداعيات هذا الصراع، إذ تتحول أراضيها "غالباً"، إلى مسارح مفتوحة لصراعات النفوذ الدولية، بينما تتصارع القوى الكبرى على رسم خرائط المصالح وموازين القوة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يقود هذا التصاعد في الصراع الاقتصادي والجيوسياسي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بوسائل سلمية، أم أن العالم يتجه بالفعل نحو مواجهة كبرى قد تعيد رسم خريطة القوة والنفوذ على نحو دراماتيكي؟