الطراونة يوضح التأثيرات المرضية للإشعاع النووي على الرئة والجهاز التنفسي وبروتوكولات الحماية

 

قدم الدكتور محمد حسن الطراونة، استشاري الأمراض الصدرية ورئيس جمعية الرعاية التنفسية الأردنية، قراءة طبية معمقة حول التأثيرات البيولوجية والنسيجية التي يلحقها التعرض للإشعاع المؤين بالجهاز التنفسي البشري، مؤكداً أن الرئتين تمثلان العضو الأكثر حساسية واستجابة للملوثات الإشعاعية المستنشقة.

كيف يدمر الإشعاع نسيج الرئة؟

أوضح الدكتور الطراونة أن الاستجابة الرئوية للإشعاع تمر بمراحل معقدة تبدأ بتدمير البنية الخلوية الدقيقة، حيث يؤدي التعرض لجرعات إشعاعية عالية إلى حدوث ما يعرف بـ "الالتهاب الرئوي الإشعاعي الحاد" (Radiation Pneumonitis)، والذي يتلخص في المظاهر السريرية التالية:

تلف الخلايا الظهارية (Epithelial Cells): يؤدي الإشعاع إلى تدمير الخلايا المبطنة للحويصلات الهوائية، وهي المسؤولة عن حماية الرئة وتنظيم السوائل، مما يكسر حاجز الدفاع الأول.

الوذمة الرئوية الخلالية: نتيجة لتضرر الشعيرات الدموية، تتسرب السوائل إلى الفراغات الخلالية والحويصلات، مما يعيق عملية تبادل الغازات ويؤدي إلى قصور تنفسي حاد.
الاستجابة الالتهابية الجهازية: يحفز الإشعاع إفراز "السيتوكينات" والوسائط الالتهابية التي تسبب تورماً وانسداداً في الشعب الهوائية والأوعية الدموية الرئوية.

التليف الرئوي المتأخر (Pulmonary Fibrosis): في حال النجاة من المرحلة الحادة، يبدأ الجسم بترميم الأنسجة عبر تكوين ألياف كولاجينية صلبة (ندوب)، مما يفقد الرئة مرونتها وقدرتها الوظيفية بشكل دائم.

وشدد الدكتور الطراونة على خطورة الجرعات الإشعاعية العالية، مشيراً من الناحية العلمية إلى أن التعرض لجرعة ممتصة تصل إلى 50 جراي (Gy) يؤدي إلى تضرر نسيجي شامل وغير قابل للعكس، وغالباً ما ينتهي بالوفاة نتيجة الفشل التنفسي الحاد في غضون فترة وجيزة إذا لم تتوفر مداخلات طبية متقدمة.

حدد الدكتور الطراونة مجموعة من الخطوات الوقائية العلمية للحد من امتصاص الجسم للجسيمات المشعة في حالات التسرب:
* العزل الميكانيكي: اللجوء الفوري إلى بيئات مغلقة ومعزولة لتقليل حجم الجسيمات المشعة المستنشقة (Inhaled Radionuclides).
* ترشيح الهواء البدائي: استخدام وسائط تنفسية مبللة أو كمامات طبية عالية الكفاءة لتصفية الهواء من الغبار المشع قبل وصوله للحويصلات الرئوية.
* التطهير الخارجي الشامل: ضرورة الاستحمام الفوري بالماء والصابون لإزالة النظائر المشعة العالقة بالجلد والشعر، مع التخلص الآمن من الملابس لمنع "التشعيع المستمر".
* التدخل الدوائي (يوديد البوتاسيوم): أكد الطراونة أن استخدام أقراص يوديد البوتاسيوم (KI) يهدف حصرياً لحماية الغدة الدرقية من اليود المشع، ويجب أن يتم بجرعات محددة وبناءً على توصية طبية مباشرة لتجنب الآثار الجانبية.


واختتم الدكتور الطراونة تصريحه بالتأكيد على أن حالات الإصابة الإشعاعية الرئوية تتطلب رعاية فائقة تشمل استخدام الكورتيكوستيرويدات لتقليل الالتهاب، ودعماً تنفسياً متقدماً، مشدداً على أن "الاستعداد الطبي المبكر ونشر الثقافة الصحية حول كيفية التعامل مع الملوثات الهوائية هما الركيزة الأساسية لحماية الصحة العامة في مواجهة الأزمات البيئية الكبرى".