أزمة غير مسبوقة واستقالات جماعية تهز (نقاد تورونتو) بسبب فلسطين
شهدت جمعية نقاد السينما في تورونتو أزمة غير مسبوقة، بعدما استقال أكثر من ثلث أعضائها احتجاجا على حذف فقرة تضامن مع الشعب الفلسطيني من خطاب قبول جائزة أرسلته المخرجة والممثلة الكندية من السكان الأصليين إيلي مايجا تايلفيرز، خلال حفل جوائز الجمعية لعام 2025.
بدأت القصة بقرار تقني ظاهريا بحذف جزء من مقطع فيديو مسجَّل، قبل أن تتحول خلال أيام إلى أزمة ثقة داخل واحدة من أبرز منظمات النقد السينمائي في كندا، وتنتهي باستقالة رئيسة الجمعية، وتفتح نقاشا واسعا حول حرية التعبير والرقابة داخل المؤسسات الثقافية.
قص فقرة عن فلسطين
في 2 مارس/آذار 2026 وأثناء حفل الجوائز، فازت تايلفيرز بجائزة أفضل أداء مساعد في فيلم كندي عن دورها في فيلم "ملاك صغير جميل" (Sweet Angel Baby)، وأرسلت خطاب قبول مسجلا بالفيديو لعرضه خلال الحفل.
لكن النسخة التي شاهدها الحضور كانت منقوصة، إذ اكتشفت تايلفيرز لاحقًا أن الجزء الذي تعلن فيه تضامنها مع الفلسطينيين قد حذف. وفي النص الكامل الذي نشره موقع "إكسكليم" (Exclaim) تقول: "قلبي لا يزال مع الشعب الفلسطيني الذي يمر بهذه المأساة".
اتهمت الفنانة الجمعية بممارسة رقابة مباشرة على كلماتها، مؤكدة أن الحذف تم من دون علمها أو موافقتها. وفي رسالة إلى الجمعية، نقلت تفاصيلها وسائل إعلام كندية، شددت وفق موقع "فالتشر" (Vulture)- على أن الحياد في مثل هذه اللحظات "شكل من أشكال العنف"، وأن الامتناع عن اتخاذ موقف سياسي هو موقف بحد ذاته.
وأعلنت تايلفيرز إعادة الجائزة، مؤكدة حق الفنانين في التعبير عن مواقفهم خصوصًا في القضايا الإنسانية، ليتحول الأمر من تعديل في مدة فيديو إلى اختبار لمدى التزام المؤسسة بحرية التعبير.
استقالات جماعية ورحيل رئيسة الهيئة
ردت الجمعية ببيان رسمي قالت فيه إن اختصار الخطابات جاء لأسباب تنظيمية تتعلق بضبط مدة الحفل، وأوضحت رئيسة الجمعية آنذاك جوانا شنيلر أن اختصار خطاب تايلفيرز كان قرارا شخصيا للحفاظ على توقيت البرنامج.
لكن هذا التبرير لم يقنع شريحة واسعة من الأعضاء، إذ رأى كثيرون أن ذريعة "ضيق الوقت" غير مقنعة، خاصة أن هذه الممارسة لم تكن شائعة في السابق. وسرعان ما أعلن ما لا يقل عن 16 عضوا من أصل 46 استقالتهم، بينهم نقاد معروفون في الوسط السينمائي الكندي.
وأشار الناقد راديهيان سيمونبيلاي -أحد المستقيلين- في تصريحات لموقع "فالتشر" إلى أن الوقت "لم يكن يوما مشكلة"، وأن أي عائق فعلي كان يقتضي إبلاغ الفنانة مسبقا.
ومع اتساع موجة الاحتجاجات، أعلنت رئيسة الجمعية استقالتها، في محاولة لاحتواء الأزمة، لكن الخطوة لم توقف نزيف الاستقالات أو تعيد الثقة سريعا إلى المنظمة.
أزمة ثقة أم لحظة مفصلية؟
تجاوزت الأزمة حدود الجمعية لتتحول إلى نقاش أوسع في الوسط الثقافي الكندي حول كيفية تعاطي المؤسسات الفنية مع المواقف السياسية للفنانين، خصوصا حين يتعلق الأمر بفلسطين وقضايا دولية حساسة.
رأى الناقد باري هيرتز من صحيفة "غلوب آند ميل" (The Globe and Mail) أن قرار الحذف "قوض الثقة في المنظمة وفي مستوى الشفافية الذي يفترض أن تقدمه جمعية نقاد"، مشيرا إلى أن تعديل خطاب فائزة بجائزة من دون علمها يثير أسئلة حول آليات اتخاذ القرار.
أما الناقد آدم نايمان فاعتبر أن جوهر المشكلة يكمن في غياب الشفافية أكثر مما يكمن في فعل الحذف نفسه، بينما رأى المبرمج السينمائي السابق نورم ويلنر أن ما حدث يتناقض مع القيم التي تعلن المؤسسات الثقافية الدفاع عنها، قائلا إن "الدفاع عن حرية التعبير الفني لا ينسجم مع ممارسة الرقابة على خطاب فنان في لحظة تسلم جائزة".
اليوم تواجه جمعية نقاد السينما في تورونتو، التي تأسست عام 1997 وتعد جوائزها من الأرفع في كندا، أزمة ثقة حقيقية. ويرى متابعون أن ما بدأ بتعديل فقرة قصيرة في خطاب فنانة، كشف عن انقسام أعمق داخل الوسط الثقافي حول العلاقة بين الفن والسياسة وحدود المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات النقدية تجاه حرية التعبير.