أيمن الصفدي... مسيرةٌ صنعت رجل دولة لا مجرد وزير خارجية
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في الدول الجادة، لا يُقاس المسؤول الكبير فقط بما يقوله في المؤتمرات، بل بما تكشفه مسيرته عن نوع التكوين الذي صنعه، وعن المدرسة التي خرج منها، وعن الأدوات التي يحملها إلى موقع القرار. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تجربة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي جديرة بالتأمل؛ لأن الرجل لم يصل إلى موقعه عبر مسار بروتوكولي ضيق، بل عبر بناء مهني وسياسي متدرج جمع بين الإعلام، والاتصال السياسي، والعمل الحكومي، والخبرة الدولية، ثم الممارسة الدبلوماسية في واحدة من أخطر مراحل الإقليم. وتشير السير المهنية الموثقة إلى أنه درس الأدب الإنجليزي في جامعة اليرموك، ثم نال درجة الماجستير في الصحافة الدولية من جامعة بايلور، قبل أن يتدرج في العمل الصحفي والإعلامي، ثم ينتقل إلى مواقع حكومية واستشارية رفيعة، وصولًا إلى وزارة الخارجية ونائبًا لرئيس الوزراء.
لقد عمل الصفدي في الصحافة والإعلام في مواقع مؤثرة، من بينها رئاسة تحرير The Jordan Times والغد، كما شغل أدوارًا إعلامية وإدارية أخرى، ثم انتقل إلى دوائر الدولة العليا، فكان مستشارًا لجلالة الملك عبدالله الثاني، كما شغل مواقع وزارية وإعلامية رسمية، منها وزير دولة لشؤون الإعلام والاتصال، والناطق الرسمي باسم الحكومة، فضلًا عن عمله متحدثًا باسم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. كما شغل لفترة وجيزة عضوية مجلس الأعيان قبل تعيينه وزيرًا للخارجية عام 2017، ثم أصبح أيضًا نائبًا لرئيس الوزراء منذ عام 2020. هذه المحطات ليست مجرد عناوين في سيرة ذاتية، بل حلقات مترابطة صنعت فيه شخصية تجمع بين فهم الرسالة، وإدارة الدولة، والتعامل مع الأزمات، والقدرة على التموضع تحت الضغط.
وهنا تكمن قيمة مسيرته. فمن يأتي من مدرسة الإعلام لا يتقن الكلام فقط، بل يفهم كيف تُصاغ الرواية، وكيف تُدار اللغة في لحظات الالتباس، وكيف يمكن لعبارة واحدة أن تحمي موقفًا أو أن تُربك دولة. ومن يمر عبر العمل الحكومي والديوان الملكي لا يكتسب فقط خبرة إدارية، بل يتعلم كيف تُقرأ المصالح العليا، وكيف تُبنى السياسة ضمن حدود التوازن بين الثابت والمتغير. ومن يخالط المؤسسات الدولية وملفات الإقليم يدرك أن السياسة الخارجية ليست استعراضًا، بل حسابًا دقيقًا للكلفة والنتيجة، وللمخاطر المباشرة وغير المباشرة، ولما يجب منعه قبل ما يجب فعله.
من هنا، لا يمكن فهم أداء الصفدي في وزارة الخارجية بوصفه مجرد مهارة خطابية أو حضورًا إعلاميًا ناجحًا. فالرجل، كما تكشف مسيرته، ابنُ تكوينٍ متعدد الطبقات: صحفي يعرف قيمة الكلمة، ومتحدث رسمي يعرف ثمن الرسالة، ومستشار دولة يعرف حدود الممكن، ودبلوماسي يعرف أن الشرق الأوسط لا يُدار بالرغبات، بل بالاستباق والاحتواء وحسن التموضع. ولعل هذا ما يفسر لماذا يظهر في كثير من الملفات الإقليمية بوصفه مسؤولًا يمارس تقييم المخاطر قبل إطلاق المواقف، ويميل إلى التفكير الاستراتيجي قبل الانفعال السياسي، ويُحسن قراءة المشهد لا من زاوية الحدث فقط، بل من زاوية ما قد يجرّه الحدث من تداعيات على الأردن وعلى الإقليم.
فالسياسة الخارجية الأردنية في السنوات الأخيرة لم تكن تتحرك في بيئة مستقرة، بل وسط مشهد بالغ السيولة: حرب في غزة، ضغوط مرتبطة بمشروعات التهجير، تهديدات على الحدود، توتر في سوريا، اضطراب في الإقليم، وتعقيدات في العلاقة مع القوى الكبرى. وفي مثل هذه البيئات لا يكفي أن يكون وزير الخارجية لبقًا؛ بل يجب أن يكون قادرًا على تحديد الخطر، وتقدير احتماله، وقياس أثره، ووضع البدائل، ورسم الخطوط الحمراء، وبناء شبكة التنسيق اللازمة لاحتوائه. وهذا تحديدًا ما تمنحه المسيرة المهنية المتنوعة حين تتكامل عناصرها في شخصية واحدة.
إنّ أيمن الصفدي، في هذا المعنى، ليس مجرد موظف كبير في جهاز الدولة، بل نموذج لمدرسة أردنية في إعداد المسؤولين الذين يفهمون أن الدبلوماسية ليست مجاملة بين العواصم، بل دفاع عن المصلحة الوطنية بأدوات ناعمة، وانضباط في اللغة، وحزم في الموقف، ووعي عميق بأن بقاء الدول لا تحميه الشعارات، بل تحميه القراءة الصحيحة للمخاطر، والتخطيط الهادئ، والقدرة على التحرك في الوقت المناسب.
ولهذا، فإن الحديث عن الرجل لا ينبغي أن يُختزل في تقييم تصريح هنا أو موقف هناك، بل في قراءة المسار الذي صنعه. فالمسيرة المهنية ليست تفصيلًا جانبيًا في تكوين المسؤول؛ إنها المفتاح لفهم أسلوبه في التفكير، وطريقته في إدارة الملفات، ونوع الدولة التي يمثلها. وفي حالة الصفدي، تبدو هذه المسيرة أقرب إلى عملية إعداد متدرج لرجل دولة، لا لرجل منصب. وهذا هو الفارق الكبير بين من يشغل الموقع، ومن يكون أهلًا له.