د. طه الحرحشه يكتب : حلو الخيارين مر ،بين المستعمرة الصهيونية والشيعة الأيرانية ..
د. طه الحرحشه
لم يعد المشهد مجرد نزاع عسكري عابر، ولا حتى حربا تقليدية يمكن احتواؤها ضمن حدود الجغرافيا... ما يجري اليوم هو إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، عنوانها الظاهر ايران، اما جوهرها الحقيقي فهو صراع مفتوح مع الولايات المتحدة وحلفائها على قيادة العالم.
للقد كتبت ذلك سابقا، وما زلت احذر، ان هذه الحرب لن تكون خاطفة، ولن تنتهي بضربة عسكرية او حملة محدودة... نحن امام تحول خطير نحو حرب استنزاف طويلة، تتخذ من حرب العصابات اسلوبا، ومن الفوضى المنظمة اداة، ومن تعدد الجبهات استراتيجية... ايران لا تقاتل وحدها، بل تقاتل بعقيدة تقوم على توزيع القوة، بحيث لا تسقط حتى لو تعرضت لضربات قاسية...
وفي خضم هذا المشهد، تتسرب معلومات وتحليلات تتحدث عن ان دول الخليج، وعلى رأسها الامارات العربية المتحدة، قد تجد نفسها في نهاية المطاف انها مضطرة لدفع اثمان اقتصادية باهظة، اشبه بالتعويضات غير المباشرة، ليس حبا في ايران العدائية، بل سعيا لشراء الاستقرار ووقف النزيف... فالمعادلة باتت واضحة ، التهدئة لن تمر عبر واشنطن، بل عبر طهران، التي تمسك بخيوط عديدة في اكثر من ساحة.
ان من يظن ان الضغط العسكري كفيل بكسر ايران ، يتجاهل حقيقة انها بنت نفوذها عبر عقود، ليس فقط كدولة، بل كشبكة عابرة للحدود. من مضيق هرمز الى البحر الاحمر الذي تم ضربه وهو اخر شريان، ومن المشرق الى عمق الساحات الهشة، تمتلك ايران القدرة على تعطيل الممرات، ورفع كلفة الحرب الى مستويات لا تحتملها الاقتصادات العالمية...
والاخطر من ذلك، ان هذه المواجهة لم تعد ثنائية... فهناك قوى كبرى تراقب وتتحرك من خلف الستار، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، التي ترى في استنزاف الولايات المتحدة فرصة استراتيجية لاعادة رسم النظام الدولي وهيمنة امريكا... هذه الدول قد لا تدخل الحرب بشكل مباشر، لكنها تدفع باتجاه ادارتها عبر ايران، سياسيا وعسكريا وتقنيا...
اما على مستوى التنظيمات، فان التمدد الايراني لم يعد محصورا في اطار طائفي كما يروج البعض... لقد استطاعت طهران ان تصل الى فاعلين اساسيين مثل حركة حماس وحركة الجهاد الاسلامي وحزب الله، وهنا تكمن المفارقة الاكثر خطورة، حيث ان غالبية القواعد الشعبية لهذه الحركات تنتمي الى اهل السنة، ما يعني ان ايران نجحت في اختراق الحواجز المذهبية، والوصول الى عمق المجتمعات، بل وحتى التأثير على تيارات مثل جماعة الاخوان المسلمين وغيرهم ، التي بات بعض اطرافها يرى ان موازين القوى قد تجعل من ايران لاعبا رئيسيا في تحديد مصير القضية الفلسطينية وهذا مفهوم خاطئ ،،
هذه ليست مجرد حرب، بل مشروع نفوذ طويل الامد كمشروع الصهاينة... مشروع يقوم على فكرة ان العالم يمكن اشعاله من الاطراف، وان نقل المعركة الى داخل المجتمعات اخطر من خوضها على الحدود ومنها المخدرات ...
وفي ظل هذا المشهد، يصبح لزاما على دول المنطقة، وفي مقدمتها الاردن، ان تعيد قراءة الواقع بعين اكثر حذرا... فالمعركة القادمة قد لا تكون على الجبهات، بل داخل الدول، عبر الخلايا النائمة، والاختراقات الفكرية، والتأثيرات الاقتصادية...
يجب ان تقال بوضوح ،من يعتقد ان هذه الحرب ستنتهي قريبا، فهو لا يقرأ التاريخ ولا يفهم طبيعة الصراع... نحن امام مرحلة يغلي فيها العالم، وقد لا يكون الشرق الاوسط سوى الشرارة التي تشعل ما هو اكبر ...
ا