صرخة إنصاف من نقابة الأطباء: "الاختصاصي المؤهل" استحقاق مهني يواجه جدار الصمت الحكومي

 

 

في خطوة وصفت بأنها "معركة استرداد حقوق"، ووفاءً للأمانة المهنية التي تفرضها مصلحة القطاع الصحي، فتح نقيب الأطباء الأردنيين الدكتور عيسى الخشاشنة منذ تاريخ 20/8/2025 ملفاً شائكاً يمس عصب الخدمة الطبية في المملكة. هذا التحرك ليس مجرد مطالبة آنية، بل هو استكمال لمسار مؤسسي رصين بدأ في عام 2019، حينما دعت الهيئة العامة للأطباء في عهد النقيب السابق الدكتور علي العبوس إلى اجتماع حاشد، تجلت فيه الإرادة الجماعية بالتصويت التاريخي على تعديل ألقاب مهنة الطب وإقرار لقب "طبيب اختصاصي مؤهل".

اليوم، يخرج الدكتور عيسى الخشاشنة هذا الملف من ديوان النقابة لاستكمال العمل به وتطبيقه حسب الأصول، مطالباً بإنهاء التهميش الذي يتعرض له مئات الأطباء الذين يشكلون العمود الفقري للمستشفيات. القضية اليوم ليست مجرد مسميات، بل هي اعتراف قانوني ومهني بجنود الميدان الذين أتموا سنوات تدريبهم الشاقة وأصبحوا أصحاب خبرات يشار إليها بالبنان.

الخبرة الميدانية: واقع يفرضه الميدان وينكره القانون

تتمحور مطالبة النقابة، الموجهة بلهجة واضحة إلى وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور، حول مسمى "طبيب اختصاصي مؤهل". هذا المسمى يعكس الواقع الفعلي في غرف العمليات وردهات الأقسام، العيادات والطوارئ؛ حيث يقوم هؤلاء الأطباء، الذين أنهوا برامج الإقامة بنجاح كامل في المستشفيات المعتمدة، بكافة مهام الاختصاصي دون نقصان، متجشمين عناء المسؤولية الطبية والعبء الفني الثقيل.

إن بقاء هؤلاء الأطباء تحت مسمى "طبيب عام" في السجلات الرسمية، بينما يمارسون الاختصاص فعلياً، هو "تناقض صارخ" يضع الطبيب في مهب الريح قانونياً، ويحرم الوطن من مأسسة كفاءات بشرية مدربة وجاهزة لخدمة المواطن. فمن غير المنطقي أن تعتمد الوزارة على مهاراتهم الفنية في الجراحة والباطنية والأطفال، ثم تنكر عليهم المسمى الذي يحميهم ويوصف طبيعة عملهم.

الاستحقاقات الثلاثة: حماية، عدالة، واستقرار

تؤكد النقابة أن إقرار مسمى "طبيب اختصاصي مؤهل" هو ضرورة وطنية لتحقيق ثلاثة أهداف لا تقبل التأجيل:

1. الحماية القانونية: صياغة إطار تشريعي يحمي الطبيب أثناء ممارسته لمهامه التخصصية وفقاً للقانون والأنظمة الفنية، بدلاً من تركه عرضة للمساءلة بتهمة "تجاوز الصلاحيات" في حال حدوث مضاعفات طبية.

2. العدالة الوظيفية: منح هؤلاء الكوادر توصيفاً وظيفياً عادلاً يتناسب مع سنوات الجهد والتدريب السريري التي اجتازوها بنجاح، ومساواتهم أدبياً ومالياً بما يليق بخبراتهم.

3. الاستقرار المهني: فتح الباب لتنظيم عملهم في العيادات الخاصة وضمان مستقبلهم المهني، مما يسهم بشكل مباشر في الحد من ظاهرة هجرة الكفاءات الأردنية إلى الخارج بحثاً عن التقدير والمسميات العادلة.

 

لماذا تلوذ وزارة الصحة بالصمت؟

رغم أن هذا الملف استوفى كافة مراحله النقابية والديمقراطية منذ عام 2019، ورغم قوة المنطق القانوني والمهني الذي قدمته النقابة، إلا أن وزارة الصحة ما زالت تلتزم "صمتاً غير مبرر". ويرى مراقبون أن هذا التأخير في الرد يمثل إضاعة لفرصة ذهبية لتنظيم القطاع الصحي ورفده بكفاءات مرخصة ومؤهلة قانونياً. فالتجاهل لن يلغي الواقع؛ هؤلاء الأطباء موجودون، يعملون، وينقذون الأرواح يومياً، والاعتراف بمساهمتهم هو واجب أخلاقي قبل أن يكون قراراً إدارياً.

الخلاصة: الكرة في ملعب الوزارة

إن ملف "الاختصاصي المؤهل" لم يعد يحتمل التأجيل أو المماطلة البيروقراطية. فالنقابة، بوضعها هذا المقترح المتكامل والمستند إلى إرادة الهيئة العامة والأنظمة العالمية المعمول بها، وضعت الكرة بالكامل في ملعب وزارة الصحة والحكومة. المطلوب الآن قرار جريء ينصف الطبيب الأردني ويعيد الاعتبار لسنوات التدريب والخبرة السريرية، ويحترم المسار المؤسسي الذي تعاقبت عليه مجالس النقابة منذ عهد الدكتور علي العبوس وصولاً إلى المتابعة الحثيثة للدكتور عيسى الخشاشنة.

الرسالة واضحة وجلية: لن يتوقف النبض المهني عند حدود الوعود، فالطبيب الذي يعطي بلا حدود وبلا كلل، يستحق لقباً يحفظ كرامته، ويصون حقوقه، ويؤمن مستقبله في وطنه.