محافظة القدس عن إغلاق المسجد الأقصى: ثقيل الدلالات يمس الهوية الفلسطينية
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى، في خطوة وصفها مستشار محافظة القدس، معروف الرفاعي، بأنها "حدث ثقيل الدلالات يمسّ عمق الهوية الدينية والوطنية للفلسطينيين؛ ولا يمكن قراءته كإجراء أمني عابر"
وتمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي المصلين من الوصول إليه لليوم الـ25 على التوالي، بذريعة الأوضاع الأمنية المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة، ويُعد هذا الإجراء سابقة خطيرة، إذ لم يشهد المسجد الأقصى منذ عام 1967 إغلاقا شاملا وحرمانا كاملا من أداء الشعائر الدينية بهذه الصورة، مما يثير مخاوف متزايدة من تداعياته على الواقع الديني والإنساني في المدينة، بالإضافة لبعد نفسي واجتماعي وسياسي.
وقال الرفاعي، الثلاثاء في حوار مع "قناة المملكة" عبر الهاتف، إنّ تكرار الإغلاق يعزز حالة القلق الجماعي، ويضع العلاقة مع المكان المقدس في دائرة التهديد الدائم، مؤكدا أن المسجد الأقصى "يتجاوز كونه موقعا للعبادة، ليغدو عنصرا مركزيا في التكوين النفسي والاجتماعي".
وأضاف الرفاعي أن أي مساس به ينعكس مباشرة على المزاج العام، ليس في القدس وحدها، بل في مختلف الأوساط الفلسطينية والإسلامية، نظرا لمكانته الرمزية والدينية.
وأوضح أن الإغلاق لم يقتصر على المسجد الأقصى، بل امتد ليشمل كنيسة القيامة، حيث أُغلقت أبوابها أمام المسيحيين الفلسطينيين، معتبرا أن هذه الإجراءات تمثل تضييقا ممنهجا على حرية العبادة لمختلف مكونات سكان المدينة.
وأكد الرفاعي أن السلطات الإسرائيلية تحاول فرض سيطرة كاملة على مدينة القدس ومقدساتها، عبر استغلال الظروف الأمنية الإقليمية كذريعة لتكثيف إجراءاتها وفرض واقع جديد في المسجد الأقصى.
وفي المقابل، جسّد الفلسطينيون حالة من الثبات والرباط، من خلال أداء الصلوات في محيط أبواب المسجد الأقصى والبلدة القديمة، في مشهد يعكس عمق الارتباط الديني والوطني بالمكان، رغم ما رافق ذلك من تضييقات وإجراءات ميدانية.
جلالة الملك عبدالله الثاني، نبه من استغلال الحرب كذريعة لتقييد حرية المصلين بالوصول إلى المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف، وفرض واقع جديد في كل من الضفة الغربية وغزة.
ويدين الأردن، منذ إغلاق المسجد الأقصى، بأشدّ العبارات استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق أبواب المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف أمام المصلين، ومنعهم من إقامة الشعائر الدينية فيه.
وأكّدت دول عربية وإسلامية ومنظمات أنّ لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو على أيّ أراض عربية محتلة أخرى، مدينين إغلاق أبواب المسجد الأقصى/ الحرم القدسي الشريف أمام المصلين المسلمين.
المسجد الأقصى المبارك، بكامل مساحته البالغة 144 دونما، هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة شؤون الحرم القدسي الشريف وتنظيم الدخول إليه.
نص حوار قناة المملكة مع مستشار محافظة القدس، معروف الرفاعي
هل يمكن اعتبار إغلاق المسجد الأقصى حدثا عابرا ضمن الإجراءات الأمنية الروتينية؟
الرفاعي: ليس إغلاق المسجد الأقصى حدثا عابرا يمكن إدراجه في سياق الإجراءات الأمنية الروتينية، بل هو لحظة مكثفة من الألم الرمزي والإنساني، تختزل صراعا ممتدا على الهوية والحق والوجود. فالأقصى بما يحمله من قداسة دينية ومكانة تاريخية يتجاوز كونه مكانا للعبادة ليغدو عنصرا مركزيا في التكوين النفسي والاجتماعي للفلسطينيين، ورمزا حيا في الوعي الجمعي الإسلامي.
كيف يؤثر الإغلاق المتكرر على الحالة النفسية للفلسطينيين؟
الرفاعي: في كل مرة تُغلق فيها أبواب الأقصى، يتسلل شعور ثقيل بالقلق إلى نفوس الفلسطينيين، لا بوصفه خوفا مؤقتا، بل كحالة دائمة من عدم اليقين. هذا الإغلاق يضرب في عمق الإحساس بالأمان الروحي، ويحوّل العلاقة مع المكان المقدس إلى علاقة مهددة، مشروطة، وقابلة للانقطاع في أي لحظة. وهنا، لا يعود القلق فرديا، بل يتحول إلى ظاهرة جماعية، تتغذى من تكرار الحدث وتراكمه في الذاكرة.
هل يتوقف الأثر النفسي عند القلق فقط؟
الرفاعي: لا، الأثر النفسي لا يقف عند حدود القلق؛ بل يتجاوزه إلى الإحباط العميق. حين يُمنع الإنسان من الوصول إلى مكان يراه جزءا من هويته وحقه الطبيعي، تتولد مشاعر العجز وفقدان السيطرة. هذا الإحباط لا يظل ساكنا بل يتفاعل مع شعور متصاعد بالظلم، ليُنتج حالة من الغضب المكتوم، الذي قد ينفجر في أشكال متعددة من الاحتجاج أو المقاومة، أو ينكفئ داخليًا في صورة توتر وضغط نفسي مستمر.
ماذا عن الأبعاد الاجتماعية لهذا الإغلاق؟
الرفاعي: اجتماعيا، يكشف إغلاق الأقصى عن مفارقة لافتة؛ فهو من جهة يُعمّق الجرح، ومن جهة أخرى يعزز التماسك. ففي مواجهة التهديد، تتقارب المسافات بين الأفراد، وتتجدد مشاعر التضامن والانتماء، ويتحول الأقصى إلى نقطة التقاء وجداني، تُعيد ترتيب الأولويات، وتُوحد الخطاب الجمعي حول فكرة الحماية والدفاع عن المقدسات.
هل هذا التماسك الاجتماعي يلغي التوتر؟
الرفاعي: لا، هذا التماسك لا يلغي التوتر. فالإغلاق غالبًا ما يُفاقم منسوب الاحتقان في الشارع، ويخلق بيئة قابلة للاشتعال، حيث تتداخل الأبعاد الدينية بالسياسية، وتتصاعد احتمالات المواجهة. وفي هذا السياق، لا يبقى الأقصى شأنا مقدسيا أو فلسطينيا فحسب، بل يمتد أثره إلى الفضاء الإسلامي الأوسع، حيث تتجدد مشاعر الغضب والحزن، ويتعزز حضور القضية في الوعي العام.
ما الخطر الأعمق في تكرار مثل هذه الإجراءات؟
الرفاعي: أخطر ما في إغلاق المسجد الأقصى أنه لا يستهدف الحجر فقط، بل الإنسان أيضا؛ لا يطال المكان فحسب، بل المعنى، فهو يمسّ جوهر الهوية، ويعيد طرح أسئلة الوجود والانتماء، في ظل واقع يضيق فيه المجال أمام أبسط الحقوق الدينية والإنسانية.
كيف يمكن تلخيص تأثير الإغلاق على المدى البعيد؟
الرفاعي: في المحصلة، يبقى الأقصى أكثر من موقع جغرافي؛ إنه مرآة لحالة شعب، ومؤشر على عمق الصراع. وكل إغلاق جديد لا يُغلق بابًا فحسب، بل يفتح جرحا آخر في الذاكرة، ويؤكد أن الحكاية لم تُكتب نهايتها بعد.