لبنان… وجعُ الأمّة الذي نخاف عليه
بقلم: عوني الرجوب – عمّان
لبنان… يا وجعًا يسكننا ولا يغادر،
يا نبضًا عربيًا كلما حاولنا أن نهرب من ألمك، عدنا إليك أكثر قربًا وحضورًا.
لسنا نبكيك، بل نشعر بك… نخاف عليك، ونحملك في قلوبنا كما نحمل أنفسنا.
لبنان… وكأن بعضنا نسيه، وكأنه لم يعد جزءًا من هذا الوطن.
كأننا نحسب أن أمجاده انتهت، وأن تاريخه أصبح مجرد ذكرى،
لكن من يظن ذلك يغفل أنّ لبنان حاضر في كل قلب عربي، وأنه لم ولن يزول من الذاكرة، ولن يضعف صموده مهما طال الزمن.
يا لبنان، يا أرض الأرز، يا من علّمتنا أن الكبرياء لا ينحني.
كيف لا نقلق عليك وأنت الذي كنت مسرحًا للثقافة، ومنارة للفكر، وملتقى للكتاب والمؤلفين والفنانين ورجال الدين؟
في بيروت، كانت الشوارع تنبض بالحياة والكلمة الحرة، كل زاوية لها حكاية وكل شارع له تاريخ.
في الجنوب، حيث صبر الأرض والمقاومة، ينبض القلب العربي بالصمود، وتكتب الجبال والأودية صفحات من البطولة والشرف.
على ضفاف الليطاني، تنساب المياه لتروي الحقول، وتذكّرنا بعطاء الأرض وصمود الشعب.
وفي بعلبك، حيث المعابد العتيقة شاهدة على عظمة التاريخ، نستشعر روح الماضي، ونتذكر أن لبنان لم يكن يومًا مجرد وطن، بل حضارة متجددة.
ولا ننسى صيدا وصور، حيث البحر والجغرافيا يحملان ذاكرة ملاح وفنان وحكاية إنسانية لا تنتهي.
كل شارع، كل حارة، كل نهر وجبل… لهم قصة، لهم تاريخ، لهم حضور.
لبنان… لم يكن يومًا مجرد وطن، بل حالة عربية فريدة.
فيك كانت دور النشر تنبض بحرية الكلمة،
وفيك كانت الثقافة تُصاغ بلا خوف،
وفيك كان التنوع قوة لا عبئًا.
ولكن هذا الوطن، بكل ما يحمله من قيمة، لم يسلم من أطماع عدو غاشم، لا يرى في لبنان إلا ساحة للضغط، ومحاولة فرض الهيمنة، والسيطرة على ثرواته وحدوده.
ومع ذلك، لم يكن لبنان يومًا مطية لأحد، بل بقي وفيًا لذاته، متمسكًا بكرامته وهويته.
نحن لا نرثيك، بل نتمسك بك أكثر.
ولا نحزن عليك، بل نحزن لك… لأنك تستحق أن تكون دائمًا في أجمل صورة.
يا لبنان، نخاف على أرزك الشامخ أن يُرهقه التعب،
ونخاف على بحرِك أن يثقل بصمتٍ لا يشبهه،
ونخاف على شوارعك أن تفقد ضحكتها التي عرفناها.
لكننا، رغم هذا القلق، نؤمن بك.
نؤمن أنك لست بلدًا عابرًا في وجدان هذه الأمة، بل أحد أعمدتها الراسخة،
وأن ما تمرّ به، مهما اشتد، لن يغيّر جوهرك.
لبنان صامد… وسيبقى صامدًا مهما بلغت التضحيات.
لأنه لم يكن يومًا وطنًا عاديًا، بل كان وسيبقى الحضن الدافئ لكل العرب.
ومساحة اللقاء التي لا تُلغى، ولا تُكسر، ولا تُساوَم.
نريدك كما كنت…
منبرًا للكلمة الحرة،
وموطنًا للإبداع،
ومسرحًا يجتمع عليه الفكر والفن والدين في أبهى صوره.
آهٍ يا زمن التيه… ما مصير العرب، وماذا جرى؟
في كل بلدان العرب نرى العجب، وكأننا بلا ماضٍ ولا تاريخ.
اللهم أعد إلينا أمجادنا، واحفظ لبنان، واحفظ كل العرب.
آهٍ عليك يا لبنان… كم أنت عظيم،
وكم نخاف عليك بقدر ما نحبك.
لسنا هنا لنكتب مرثية،
بل لنحفظ صورتك في قلوبنا كما عرفناك، وكما نريدك دائمًا