أحمد قعبور… حين يرحل الصوت وتبقى الذاكرة

 

رحل أحمد قعبور، لا كفنانٍ عابرٍ في ذاكرة الزمن، بل كصوتٍ نقيٍّ حمل وجع الناس وآمالهم، وبقي عصيًّا على التلوّث في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات وتاهت فيه البوصلة. كان قعبور صوت الذاكرة الجماعية، وضميرها الحي، الذي استطاع بحسّه الإنساني العميق أن يخترق الحدود ويصل برسالته النبيلة إلى قلوب الأحرار في كل مكان.

لم يكن رحيله صامتًا؛ بل بدا كأن صداه ما زال يتردد في كلماته الخالدة، حين كان يصرخ: “أناديكم، وأشدّ على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم”. صرخةٌ لم تكن مجرد لحن، بل عهدًا أخلاقيًا وإنسانيًا، ورسالة مقاومةٍ تنبض بالكرامة. رحل وقلبه معلّقٌ بنبض الضفة، متمنيًا ألّا يخبو، وأن يظل حيًّا حتى تنكسر قيود الطغيان وتولد الحرية.

ولم يغب الجنوب عن وجدانه يومًا؛ ففي أغنيته جنوبيون، وجّه تحيةً مشبعةً بالألم والوفاء لأهل الجنوب اللبناني، فجاءت الكلمات محمّلةً بتراب الأرض، ومغموسةً بوجع الذين غيّبتهم الحروب تحت الركام. كانت الأغنية أشبه بمرثيةٍ حيّة، تختصر حكاية أرضٍ تقاوم، وشعبٍ لا ينكسر.

أما في يا رايح صوب بلادي، فقد تحوّل صوته إلى نداءٍ حميمٍ من مغتربٍ يحمّل العائدين شوقه ورسائله. هناك، يتداخل الحنين بالخوف، ويتحوّل الوطن من جغرافيا إلى حالةٍ داخلية، لا تُمحى ولا تتبدل، مهما ابتعدت المسافات أو تغيّرت الأزمنة.

رحل أحمد قعبور، لكن كلماته لم ترحل. بقيت معلّقةً في فضاء الذاكرة، تنتظر أن تتحقق أحلامه، وأن تمشي أوطاننا حرّة كما كان يردّد. وربما لم يكن صوته مجرد غناء، بل وصية… وصية أن نبقى أوفياء للحق، وأن نحرس الحلم حتى يصبح واقعًا.