عوني الرجوب يكتب .. بين ادعاء الهيمنة وطلب النجدة: هل تتغير معادلة القوة الأمريكية ..؟؟
الشريط الإخباري -
بين التصريحات التصعيدية والواقع الميداني، تكشّفت المفارقات الكبرى في القوة الأمريكية والإسرائيلية. من غزة إلى إيران، الواقع أثبت أن القوة ليست ما يُقال، بل ما يُفرض على الأرض. هل ما زالت معادلة القوة الأمريكية كما كانت؟ قراءة تحليلية تكشف الحقيقة وراء التصريحات والتهديدات.
بين ادعاء الهيمنة وطلب النجده هل تتغير معادلة القوة الامريكيه
بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
لم يعد من الممكن تمرير الخطاب التقليدي الذي يقدّم الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة مطلقة على العالم، ولا إسرائيل كأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، دون التوقف أمام ما تكشفه الوقائع الأخيرة من تناقضات صارخة.
ففي غزة، ورغم آلة الحرب الهائلة، لم يتحقق الحسم. بل على العكس، تكشّف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لكسر إرادة الصمود.
حجج وهذه نتيجة بحد ذاتها تُسقط جزءًا كبيرًا من رواية “التفوق المطلق”.
أما في المواجهة مع إيران، فالصورة كانت أكثر وضوحًا وحدة. إسرائيل، التي طالما قدّمت نفسها كقوة لا تُمس، شهدت ما لم تشهده في تاريخها الحديث: قصف مباشر، دمار في عمقها، وتعطيل لمرافقها الحيوية. بل إن الضربات الإيرانية—رغم الاعتراضات الدولية—فرضت واقعًا جديدًا، جعل الإسرائيليين يعيشون تحت تهديد دائم، يقضون أوقاتهم بين الملاجئ، في مشهد غير مسبوق.
هذا التحول لا يمكن التقليل من شأنه، لأنه لا يتعلق بضربة عابرة، بل بكسر صورة الردع التي قامت عليها الاستراتيجية الإسرائيلية لعقود.
وفي الجانب الأمريكي، تتعمق المفارقة أكثر. عندما يخرج دونالد ترامب ليقول إن حلف شمال الأطلسي “خذلونا ولم يساندونا”، ويهدد بعدم الوقوف معهم لاحقًا، فإن السؤال يصبح مباشرًا:
كيف تطلب الإسناد وأنت من يقدّم نفسه كقائد العالم؟ ولمن يكون طلب النجدة إن كنت أنت الأقوى؟
الأمر لا يتوقف عند التصريحات، بل يتعداه إلى سلوك متكرر: طلب دعم من الحلفاء دون استجابة حاسمة، وتهديدات لا تستقر على مسار واضح. مرة يُقال إنه تم “تدمير إيران بالكامل”، ومرة تُطلق إنذارات زمنية، ثم يجري التراجع أو التعديل. هذا التذبذب لا يعكس قوة واثقة، بل ارتباكًا في إدارة الصراع.
إن هذا النمط من الخطاب، إلى جانب أداء بنيامين نتنياهو، يعطي انطباعًا بأن القرارات تُدار تحت ضغط اللحظة، لا وفق استراتيجية مستقرة. وهو ما يفتح تساؤلًا أعمق حول مدى قدرة هذا المحور على فرض إرادته في صراعات طويلة ومعقدة.
كما أن الفتور النسبي في استجابة بعض الحلفاء يطرح احتمالًا آخر:
أن السياسات الأمريكية لم تعد تحظى بذات الإجماع، وأن هناك إعادة تقييم دولية لدور الولايات المتحدة الأمريكية وحدود التزاماتها.
لقد أثبتت الوقائع أن العالم لا يُدار بالعنتريات، ولا بالتهديدات المتكررة، بل بقدرة حقيقية على تحقيق النتائج. فالقوة ليست ما يُقال، بل ما يُفرض على الأرض.
إذا استمر هذا المسار من التناقض بين التصريحات والواقع، فإننا قد نكون أمام تحول أخطر من مجرد تراجع تكتيكي. فاستمرار الحرب دون حسم، واتساع دائرة المواجهة، وتزايد الاعتماد على الحلفاء دون استجابة مكافئة، كلها مؤشرات قد تقود إلى استنزاف استراتيجي يطال الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل معًا.
وعند هذه النقطة، لن تكون المسألة مجرد جولة صراع، بل بداية تآكل تدريجي في صورة الردع والهيبة، وهي أخطر خسارة يمكن أن تتعرض لها أي قوة تدّعي الهيمنة. فالتاريخ لا يحاسب الدول على ما تقوله، بل على ما تعجز عن تحقيقه.
ومن يطلب النجدة ليحافظ على صورته كقوة عظمى، يكون قد بدأ فعليًا بفقدانها