حين تتحول الطاقة إلى سلاح… من الكهرباء إلى النفط والغاز في حروب الجيل السابع
بقلم: مؤيد أحمد المجالي
لم تعد الحروب تُخاض على الأرض فقط، بل على ما يُبقي هذه الأرض حيّة.
لم يعد الهدف احتلال المدن، بل إطفاء أنوارها، وتجفيف مياهها، وخنق وقودها.
وفي هذا المشهد الجديد، لم تعد منشآت الكهرباء والمياه وحدها في مرمى النيران، بل انضمت إليها منشآت النفط والغاز لتصبح جميعها أهدافًا مركزية في معادلة الصراع.
القانون الدولي، كما أرسته اتفاقيات جنيف، يضع هذه المنشآت ضمن الأعيان المدنية المحمية، خصوصًا تلك التي لا غنى عنها لبقاء السكان. لكن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد انتهاك القانون؛ إنه تحول في فلسفة الحرب نفسها.
فحين تُقصف محطة كهرباء، تُشلّ الحياة. وحين يُستهدف خط مياه، يُفرض العطش.
أما حين تُضرب منشآت النفط والغاز، فإن الدولة لا تُحاصر فقط… بل تُخنق اقتصاديًا واستراتيجيًا.
هنا تبدأ حروب الجيل السابع.
في هذا النمط من الحروب، لم يعد المطلوب السيطرة على الأرض، بل السيطرة على مفاتيح استمرارها:
- الكهرباء التي تُدير كل شيء
- المياه التي تحفظ الحياة
- النفط والغاز اللذان يغذيان الاقتصاد والحرب معًا
إن ضرب منشآت النفط والغاز ليس مجرد استهداف اقتصادي، بل هو هجوم على القلب النابض للدولة.
فالدولة التي تفقد قدرتها على إنتاج الطاقة أو تصديرها، تفقد عملتها، يتراجع اقتصادها، وتبدأ بالتآكل من الداخل.
إنه انهيار صامت… لكنه قاتل.
وفي حروب الجيل السابع، تتحول هذه الضربات إلى أدوات ضغط مركّبة:
- انقطاع الكهرباء يشلّ المدن
- توقف إمدادات الوقود يعطّل النقل والجيش
- تدمير منشآت الغاز يضرب الصناعة والتدفئة
- تعطيل النفط يقطع شريان الاقتصاد
وهكذا، تُدار المعركة دون الحاجة إلى اجتياح… لأن الدولة تُسقط نفسها بنفسها تحت ضغط الانهيار الشامل.
الأخطر أن هذا النوع من الاستهداف يُقدَّم أحيانًا تحت غطاء “الضرورة العسكرية”، بينما هو في جوهره إعادة تعريف للمدني كهدف غير مباشر.
فالمدني هنا لا يُقصف مباشرة، بل يُحاصر عبر احتياجاته الأساسية:
في الماء… في الضوء… وفي الوقود.
وبموجب نظام روما الأساسي، فإن تعمّد استهداف الأعيان المدنية أو المنشآت الحيوية، بما فيها مرافق الطاقة والنفط والغاز، يُعد جريمة حرب.
لكن الواقع يكشف أن القانون يقف عاجزًا حين تتحول هذه الأهداف إلى أوراق في صراع دولي على النفوذ والطاقة.
من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن أوكرانيا إلى إيران، تتكرر الصورة:
من يضرب الطاقة… يكتب نتيجة الحرب.
لم يعد الصراع على النفط والغاز مجرد صراع على الموارد، بل أصبح صراعًا على القدرة على البقاء والسيطرة.
خطوط الأنابيب، الموانئ النفطية، محطات التسييل، الحقول البحرية… كلها تحولت إلى ساحات حرب غير معلنة.
وهنا، تتجلى الحقيقة الأخطر:
في حروب الجيل السابع، لا يُقاس النصر بعدد المدن المحتلة، بل بعدد الساعات التي تبقى فيها الدولة قادرة على تشغيل نفسها.
وفي الختام، فقد بات جليًا أنه حين تُستهدف الكهرباء والمياه والنفط والغاز، فنحن لا نكون أمام حرب تقليدية… بل أمام حرب على شروط الحياة ذاتها.
إنها حرب تُخاض ضد المجتمع، لا الجيش… وضد المستقبل، لا الحاضر فقط.
وفي هذه الحرب، لا يُسمع دويّ الانفجار فقط…
بل يُسمع صوت أخطر:
صوت دولةٍ تنطفئ تدريجيًا.