الصمت اليومي وأسئلة الوجود في "إيفا" للقاصة وداد أبو شنب

 

بقلم أسيد الحوتري

تندرج المجموعة القصصية إيفا للكاتبة الأردنية وداد أبو شنب ضمن سياق الأدب النسوي العربي المعاصر الذي يسعى إلى إعادة قراءة الواقع اليومي للمرأة من الداخل، لا بوصفه حكاية خارجية مكتملة الأركان، بل باعتباره تجربة إنسانية مركبة ومفتوحة على التأويل. تقدم هذه المجموعة نصوصا قصيرة تتجاوز الشكل التقليدي للقصة القصيرة، وتقترب من القصة القصيرة جدا أو الحالة الشعورية التي تلتقط لحظة إنسانية مكثفة، وتكشف ما هو مسكوت عنه في حياة المرأة الأردنية والعربية.

في هذا المقال، سيتم التطرق إلى ثلاثة محاور رئيسية تسهم في فهم خصوصية هذه المجموعة. يبدأ المحور الأول بمقارنة بين قصص "إيفا" والقصة القصيرة التقليدية من حيث البناء الفني واللغة والوظيفة. ثم ينتقل المحور الثاني إلى تحليل صورة الأنثى كما رسمتها الكاتبة، من خلال علاقاتها المتشابكة مع ذاتها ومع النساء الأخريات ومع الرجل. أما المحور الثالث، فيتناول أبرز الفلسفات الحياتية التي تطرحها نصوص "إيفا"، بوصفها خلاصة تجارب إنسانية يمكن قراءتها كدروس أو رؤى تساعد على فهم الحياة والتعامل معها بوعي أعمق.

 

المحور الأول: اختلاف قصص "إيفا" عن القصة القصيرة التقليدية

تلتقي قصص "إيفا" مع القصة القصيرة التقليدية في انتمائها إلى الفن السردي، وفي اعتمادها على عناصر واقعية تعكس التجربة الإنسانية، وتسعى إلى إثارة التأمل لدى القارئ. غير أن هذا التشابه لا يخفي اختلافا جوهريا في البنية والأسلوب والغاية. فمن حيث البناء، تعتمد القصة التقليدية على حبكة واضحة تتدرج من بداية إلى ذروة ثم نهاية، بينما تميل نصوص "إيفا" إلى الشكل المشهدي أو اللحظي، حيث تغيب الحبكة المعقدة لصالح لقطة سريعة مكثفة. أما من حيث الطول، فإن القصة التقليدية تمتد عادة لعدة صفحات، في حين تأتي نصوص "إيفا" قصيرة نسبيا، وتركز على تفصيلة يومية صغيرة قد تبدو عابرة لكنها تحمل دلالة عميقة.

وتختلف كذلك من حيث المصدر؛ إذ تبدو قصص "إيفا" أقرب إلى التوثيق اليومي، تستمد مادتها مباشرة من حياة المرأة، دون إعادة تشكيل درامي كبير. كما أن الغاية فيها لا تقتصر على الإمتاع أو المفاجأة، بل تتجه إلى استنطاق الواقع وطرح الأسئلة المؤجلة.

على مستوى الشخصيات، لا نجد نماذج درامية مكتملة من حيث الوصف الداخلي والخارجي، بل شخصيات عادية تمثل أنماطا اجتماعية: أم، زوجة، مطلقة، عجوز، دون أسماء أحيانا، بما يعزز بعدها الواقعي. أما اللغة، فهي شاعرية وبعيدة عن التعقيد وقريبة من الحياة اليومية، تميل إلى التكثيف والرمز الخفيف، وتقترب أحيانا من الحوار الداخلي أو الخاطرة.

أما النهايات، فهي في الغالب مفتوحة وتأملية، تترك القارئ أمام سؤال غير مكتمل، بدلا من تقديم حل نهائي. وبهذا، تتحول العلاقة مع القارئ من تلقي قصة إلى مشاركة في تأمل تجربة.

يمكن القول إن القصة التقليدية تبني عالما دراميا مصغرا، بينما تقدم "إيفا" حالات إنسانية مكثفة، أقرب إلى صور فوتوغرافية للروح الأنثوية في تفاصيلها اليومية.

 

المحور الثاني: صورة الأنثى في "إيفا" وعلاقاتها المتعددة

ترسم وداد أبو شنب صورة مركبة للأنثى، بعيدا عن النمط الواحد، حيث تظهر المرأة ككائن يحمل تناقضاته الداخلية، ويعيش صراعات متعددة على مستويات مختلفة.

أولا، في علاقتها مع نفسها، تبدو الأنثى في حالة صراع دائم بين التناقضات: بين البراءة والخبرة، بين الاستسلام والتمرد، بين الرضا والرغبة في التغيير. هذه العلاقة الداخلية تكشف وعيا ذاتيا متناميا، حيث تسعى المرأة إلى فهم ذاتها والتصالح معها، أو أحيانا إلى رفض الأدوار المفروضة عليها.

ثانيا، في علاقتها مع الأنثى الأخرى، تتنوع الصور بين التضامن والتنافس. نجد نماذج من الدعم المتبادل، خاصة في مواجهة المجتمع، إلى جانب حالات من الغيرة أو الضغط الاجتماعي الذي تمارسه النساء على بعضهن، خصوصا عبر التقاليد. كما يظهر بعد إنساني مهم يتمثل في المعاناة المشتركة التي تولد تعاطفا عميقا بين النساء.

ثالثا، في علاقتها مع الرجل، تقدم المجموعة طيفا واسعا من العلاقات. فالرجل قد يكون شريكا محبا وداعما، وقد يكون أيضا مصدرا للقهر أو الاستغلال. كما تصور النصوص الزواج أحيانا كعلاقة روتينية باردة، في مقابل الطلاق الذي قد يظهر كفعل تحرر. وتبرز كذلك حالات تمرد المرأة على النظرة الذكورية ومحاولتها استعادة صوتها وقرارها.

بشكل عام، تقدم "إيفا" الأنثى بوصفها كائنا فاعلا ومنفعلا في آن، قادرا على المعاناة والصمود، وعلى الحلم رغم القيود، وعلى الوصول إلى نوع من الرضا بعد صراع طويل.

 

المحور الثالث: الفلسفات الحياتية في "إيفا"

تحمل نصوص "إيفا" مجموعة من الرؤى الفلسفية التي تنبع من التجربة اليومية، وتقدم دروسا عملية يمكن تأملها في سياق الحياة.

من أبرز هذه الفلسفات، فكرة أن العزلة ليست دائما قوة، بل قد تتحول إلى مصدر ندم، كما في "حالة صولو الحب". وفي المقابل، تدعو بعض النصوص إلى عيش اللحظة وعدم تأجيل السعادة، كما في "بالعكس عابرة سبيل".

كما تطرح المجموعة فكرة أن الزمن يمضي مهما كانت الظروف، ما يدعو إلى المبادرة وعدم الانتظار، وهو ما يظهر في "فلاش باك". وتتناول أيضا مسألة القناعة، مشيرة إلى أن المقارنة المستمرة بالآخرين تمنع الإنسان من إدراك قيمة ما لديه.

وتبرز قيمة الاكتفاء والرضا كطريق إلى السلام الداخلي، إلى جانب التأكيد على أن الإصرار والعمل يمكن أن يتجاوزا أصعب التحديات، كما في قصة "المتوحد". كما تشير إلى أن الإعاقة لا تلغي القدرة على التميز، وأن البصيرة الحقيقية داخلية.

ومن جهة أخرى، تؤكد النصوص حق الإنسان في السعادة بعد الخسارة، وأهمية الأمل كقوة للاستمرار، إضافة إلى فكرة أن التغيير ممكن في أي مرحلة من العمر، وأن لحظة صغيرة قد تعيد إشعال الحياة.

تكشف قراءة إيفا عن تجربة سردية مختلفة تتجاوز القالب التقليدي للقصة القصيرة، لتقدم نصوصا مكثفة تستند إلى اليومي والهامشي بوصفه مدخلا لفهم العمق الإنساني. وقد تبين من خلال المحور الأول أن هذه القصص تقوم على تفكيك البنية التقليدية لصالح الشكل الومضي التأملي. أما في المحور الثاني، فقد ظهرت صورة الأنثى بوصفها كائنا متعدد الأبعاد، يعيش صراعات داخلية وخارجية، ويتحرك بين القهر والأمل، بين التبعية والاستقلال. وفي المحور الثالث، اتضحت مجموعة من الفلسفات الحياتية التي تقدمها النصوص كخلاصات لتجارب إنسانية قابلة للتأمل والتطبيق.

في المجمل، تمثل "إيفا" محاولة لالتقاط صوت المرأة في تفاصيل حياتها اليومية، وتحويل هذه التفاصيل إلى مادة أدبية تحمل بعدا إنسانيا وفكريا يتجاوز حدود الحكاية إلى فضاء التأمل والمعنى.