إجراءات ترشيد الطاقة في الأردن: بداية جيدة، لكن الحاجة الحقيقية هي إلى انضباط وطني أوسع في إدارة الطاقة
بقلم : المهندس نبيل إبراهيم حداد
كاتب سياسي واقتصادي
إن قرار الحكومة الأردنية الأخير باتخاذ إجراءات تهدف إلى ترشيد استهلاك الطاقة وتشديد ضبط الإنفاق العام يُعدّ خطوة مسؤولة وفي وقتها المناسب. فالتعميم الصادر بتاريخ 30 آذار 2026 تضمّن ضوابط على استخدام المركبات الحكومية، وتجميدًا لمعظم السفرات الرسمية الخارجية لمدة شهرين، ووقف استضافة الوفود الأجنبية إلا عند الضرورة، إضافة إلى منع استخدام أنظمة التدفئة والتكييف في الوزارات والمؤسسات العامة. وهذه ليست إجراءات إدارية هامشية، بل هي إشارة واضحة إلى أن الدولة تدرك أن الانضباط في إدارة الموارد، ولا سيما في أوقات التوتر الإقليمي وعدم اليقين، هو جزء من مناعة الدولة وقدرتها على الصمود.
وهذه الخطوة تستحق التأييد. لكنها، في الوقت ذاته، ينبغي أن تفتح الباب أمام نقاش وطني أوسع. فإذا كان الأردن جادًا في تقليل الهدر، وتعزيز أمنه الطاقي، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على التحمّل، فإن الإجراءات الحالية يجب ألا تُفهم بوصفها نهاية المطاف، بل بداية لتحول سياسي وإداري أكثر شمولًا.
إن المطلوب اليوم ليس فقط تقشفًا مؤقتًا داخل المؤسسات الحكومية، وإنما إطار وطني منظم للانضباط في استخدام الطاقة على مستوى الاقتصاد والمجتمع معًا. وفي هذا السياق، فإن ثلاث أفكار تستحق دراسة جادة: توسيع عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام في بعض القطاعات، والتوسع السريع والمدروس في استخدام الطاقة الشمسية، وتنظيم ساعات عمل الأنشطة التجارية بحيث تُغلق المحال التجارية والمولات عند الساعة التاسعة مساءً.
وقد تبدو فكرة عطلة نهاية أسبوع من ثلاثة أيام، للوهلة الأولى، غير مألوفة. إلا أنها من منظور إدارة الطاقة تستحق الدراسة الجادة. فخفض عدد أيام التنقل قد يؤدي إلى تقليل استهلاك الوقود، وتخفيف الازدحام، وخفض الطلب التشغيلي المرتبط بالنقل والمكاتب والإضاءة والتبريد والخدمات المساندة. وهذا لا يعني تعطيلًا شاملاً للنشاط الاقتصادي، ولا ينبغي تطبيقه بصورة ميكانيكية. فالقطاعات الحيوية يجب أن تستمر، وبعض القطاعات قد تحتاج إلى نماذج تشغيل مختلفة. غير أن المبدأ ذاته يستحق النظر: فإذا أمكن إعادة تنظيم أنماط العمل بطريقة تحافظ على الإنتاجية وتخفض في الوقت نفسه استهلاك الطاقة على المستوى الوطني، فإن ذلك يصبح خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد نقاش إداري أو عمالي.
أما الإجراء الثاني، وهو الأهم، فهو التسريع في التوسع باستخدام الطاقة الشمسية. فقد أحرز الأردن بالفعل تقدمًا ملموسًا في مجال الطاقة المتجددة، وأصبح الربط بين أمن الطاقة والتنويع والاستدامة جزءًا من الخطاب الرسمي للدولة. غير أن هذا التوجه ينبغي اليوم أن ينتقل من مستوى العنوان الاستراتيجي إلى مستوى التطبيق الواسع في الحياة اليومية. فالطاقة الشمسية يجب ألا تبقى مجرد برنامج محدود أو بند في الخطط الحكومية، بل ينبغي أن تتحول إلى ركيزة أساسية في النموذج العملي للطاقة في الأردن.
والأردن، في الحقيقة، لا يبدأ من الصفر في هذا المجال. فهناك أساس مؤسسي قائم، وتجارب تنفيذية معروفة، واتجاهات استراتيجية معلنة. لكن المطلوب الآن هو دفع سياسي وإداري أقوى يجعل اعتماد الطاقة الشمسية أسرع وأسهل وأوسع انتشارًا، سواء في المنازل، أو المنشآت التجارية، أو المزارع، أو المباني البلدية، أو الاستخدامات الصناعية.
أما المقترح الثالث، وهو إغلاق المحال التجارية والمولات عند الساعة التاسعة مساءً، فهو أيضًا يستحق أن يُؤخذ بجدية. وهذه ليست دعوة ضد النشاط التجاري، بل دعوة إلى مواءمة أفضل بين الحاجة الوطنية وأنماط الاستهلاك اليومية. فالمراكز التجارية تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء من خلال الإنارة، والتكييف، واللوحات المضيئة، والسلالم الكهربائية، ومواقف السيارات، والخدمات التشغيلية الممتدة. وفي بلد يُحسب فيه لكل كيلوواط يتم توفيره أثر مباشر في تعزيز الصمود الوطني، فإن من المشروع أن يُعاد النظر فيما إذا كانت ساعات العمل التجارية الطويلة ضرورة حقيقية في كل الظروف، خاصة في الفترات التي تقتضي شدّ الأحزمة في إدارة الموارد.
وبطبيعة الحال، لا ينبغي فرض مثل هذا الإجراء بطريقة متعجلة أو غير مدروسة. فأي سياسة تؤثر في الأعمال التجارية يجب أن تُطبق بذكاء، وبعد تشاور، ومع مراعاة خصوصية بعض القطاعات والحالات الاستثنائية. فبعض الأنشطة تعتمد بدرجة كبيرة على الحركة المسائية، وبعض المناطق تختلف عن غيرها، كما أن الاعتبارات الموسمية لها وزنها كذلك. لكن كل ذلك لا يلغي صحة المبدأ الأساسي: فالدولة التي تواجه ضغوطًا استراتيجية مطالبة، بين الحين والآخر، بإعادة النظر في عادات أصبحت مألوفة، لكنها ليست دائمًا ضرورية.
إن القضية الحقيقية، إذن، أكبر من مجرد تعميم حكومي مؤقت. إنها تتعلق بما إذا كان الأردن يريد أن يتعامل مع ترشيد الطاقة بوصفه استجابة مؤقتة، أم باعتباره جزءًا دائمًا من الاستراتيجية الوطنية. فالإجراءات المؤقتة قد تخفف الضغط الآني، لكن السياسات الدائمة هي التي تعيد تشكيل المستقبل.
إن قوة الأردن على المدى البعيد لن تأتي فقط من شراء المزيد من الوقود، أو توسيع الاحتياطيات، أو إدارة الاضطرابات قصيرة الأجل. بل ستأتي أيضًا من بناء ثقافة وطنية منضبطة، يدرك فيها كل من الحكومة والقطاع الخاص والمواطنون أن الاستخدام الرشيد للطاقة هو جزء من الوطنية، ومن حسن الإدارة الاقتصادية، ومن الاستعداد الاستراتيجي لمواجهة التقلبات.
ومن هنا، فإن الخطوة الحالية التي اتخذتها الحكومة تستحق الترحيب، لكنها تستحق أيضًا أن تُستكمل بخطوات أوسع. فالأردن بحاجة الآن إلى حزمة وطنية أشمل تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: خفض الطلب غير الضروري، وتسريع توليد الطاقة المحلية من المصادر المتجددة، وإصلاح أنماط الاستهلاك. إن اعتماد عطلة ثلاثة أيام في بعض القطاعات، والتوسع الجاد في الطاقة الشمسية، وتقليص ساعات العمل التجارية لتُنهي عند التاسعة مساءً، ليست مجرد اقتراحات إدارية، بل هي جزء من منطق أعمق: الدولة التي تُحسن إدارة طاقتها تعزز سيادتها، وتحمي اقتصادها، وتزيد قدرتها على الصمود في وجه عدم اليقين.
لقد اتخذ الأردن خطوة أولى جيدة. أما الخطوة التالية، فينبغي أن تكون أكثر جرأة، وأوسع نطاقًا، وأعمق أثرًا.
إخلاء مسؤولية:
تمثل هذه المقالة الآراء والتفسيرات والآراء المهنية الشخصية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهي مقدمة حصريًا لأغراض معلوماتية وتثقيفية، ولا تشكل استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية أو التزام من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو، أو عن أي استخدام أو اعتماد على المعلومات الواردة فيها. ويُنصح القراء والمؤسسات بممارسة حكمهم الخاص وتكييف ما ورد في هذه المادة بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.