حين تتحول الحماية إلى ابتزاز: هل يدفع العرب فاتورة الحروب؟
بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان أكثر لحظات الاستعلاء السياسي فجاجة، يخرج دونالد ترامب وبدعم من البيت الأبيض بتصريحات تحمل في طياتها نزعة ابتزاز واضحة، مفادها أن على دولٍ عربية أن تدفع تكاليف الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة أو تديرها. تصريح لا يمكن قراءته إلا باعتباره إهانة مباشرة لسيادة الدول، واستخفافًا بكرامة الشعوب، ومحاولة فجة لتحويل المنطقة إلى خزينة مفتوحة لمشاريع لا تخدم مصالحها.
إن منطق “ادفعوا لنحميكم” لم يعد مقبولًا، لا سياسيًا ولا أخلاقيًا. فالدول لا تُدار بعقلية الجباية، والتحالفات لا تُبنى على الإكراه المالي، بل على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
أما أن يُطلب من العرب تمويل الحروب، ثم يُقال لهم إن ذلك مقابل “الحماية”، فذلك قلبٌ للحقائق، وتزييفٌ للواقع، إذ إن كثيرًا من هذه الحروب لم تجلب للمنطقة إلا الفوضى وعدم الاستقرار.
وفي سياقٍ أكثر خطورة، فإن الحرب الدائرة التي فُرضت بصيغة صهيو-أمريكية على إيران لم تبقَ محصورة في جغرافيتها، بل امتدت آثارها إلى دول الجوار، بل وأصابت بعض المنشآت في دول عربية نتيجة ردود الفعل على القواعد الأجنبية المنتشرة في المنطقة. وهذه الأضرار ما كانت لتقع أصلًا لولا إشعال فتيل هذه الحرب، ما يضع المسؤولية السياسية والأخلاقية على من فرضها وأدارها، لا على من اكتوى بنارها.
لقد أصبح واضحًا أن ذريعة “الحماية” لم تعد تقنع أحدًا. فالشعوب العربية اليوم أكثر وعيًا، وتدرك أن هذه السياسات لم تجلب إلا مزيدًا من التوتر واستنزاف الموارد وتعريض الأوطان لمخاطر لم تكن قائمة من قبل. بل إن الواقع يكشف أن الوجود العسكري الأمريكي، بما يتضمنه من قواعد وانتشار، لا يعمل فقط تحت عنوان حماية هذه الدول، بل يتقاطع في جوهره مع حماية مصالح استراتيجية أوسع، وعلى رأسها حماية الكيان الصهيوني من أي تهديد محتمل، إضافة إلى تأمين السيطرة على منابع الطاقة، والتأثير في موازين القوة في المنطقة، بما يفضي إلى إضعاف القدرات الذاتية للأمة العربية والإسلامية. وعليه، فإن “الحماية” التي يُروَّج لها لم تعد مقنعة، بل باتت مكشوفة أمام الرأي العام. وإن كانت الولايات المتحدة نفسها باتت غير قادرة على حماية نفسها من إيران، فكيف يُراد لها أن تُقنع الآخرين بأنها قادرة على حماية غيرها؟
إن أي محاولة لفرض التزامات مالية على دول لم تكن طرفًا في قرار الحرب، تمثل مساسًا مباشرًا بمبدأ السيادة الذي كفلته الأمم المتحدة، وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، قوامها الإكراه المالي بدل الشراكة المتكافئة.
إن امتناع القادة العرب عن دفع تكاليف هذه الحرب لن يكون ضعفًا، بل هو عين القوة. بل هو القرار الذي يعيد التوازن للعلاقة، ويضع حدًا لسياسة الابتزاز. والأهم من ذلك، أن هذا الموقف—إن اتُخذ—سيجد سنده الحقيقي في الشعوب. فالشعب العربي، حين يرى موقفًا صادقًا يعبر عن كرامته، يلتف حول قيادته، ويكون لها الحصن الحقيقي والأمن الأصيل. فالدول لا تُحمى بالأموال المدفوعة، بل بإرادة شعوبها، ووحدة صفها، وصدق قرارها.
أما إذا سلكت بعض الدول طريق الدفع والانصياع، فإنها ستكون أمام طامة كبرى. لأن أموال الشعوب أولى أن تُصرف على تنميتها، على تعليمها، على صحتها، وعلى مستقبل أجيالها، لا أن تُهدر في حروب لا تخدمها، ولا تعود عليها إلا بالويل والدمار. إن الثروات العربية هي حق لشعوبها، وليست رصيدًا يُستنزف تحت مسميات الحماية الكاذبة.
لقد بلغ الوعي الشعبي مرحلة متقدمة من الإدراك، وأصبح يميز بين الحليف الحقيقي، ومن يتعامل بمنطق الاستغلال. ولم يعد مقبولًا أن تستمر المنطقة تحت أي وصاية، كائنًا من كان مصدرها. فالصبر له حدود، والكرامة لا تُجزأ، والسيادة لا تُؤجَّر.
وفي لحظة مفصلية كهذه، فإن بيانًا عربيًا موحدًا، واضحًا وصريحًا، يرفض دفع تكاليف هذه الحروب، سيكون أكثر من مجرد موقف سياسي؛ سيكون إعلانًا تاريخيًا بأن الأمة استعادت قرارها، وأن زمن الإملاءات قد انتهى.
إن المرحلة لم تعد تحتمل المواقف الرمادية، ولا البيانات الملتبسة. فإما قرار عربي مستقل يُصان، أو انزلاق نحو تبعية مكلفة لن تتوقف عند المال، بل ستمتد إلى القرار والسيادة. والتاريخ، كما الشعوب، لا يسجل النوايا… بل المواقف.
إما كرامة تُصان، أو تبعية تُفرض… ولا ثالث بينهما