المحروقات في الأردن: بين ارتفاع الأسعار وغياب القرار
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في الوقت الذي يشهد فيه المواطن الأردني ارتفاعًا مستمرًا في أسعار المحروقات مؤخرًا، تتكرر ذات التبريرات حول الدعم والأسعار العالمية وكلفة الاستيراد، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المواطن اليوم: أين هو هذا الدعم؟ ومن المستفيد فعليًا؟
المواطن يدفع الكلفة كاملة، ولا يرى أثرًا حقيقيًا لما يسمى بالدعم، بل أصبح هذا المصطلح محل تساؤل مشروع في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة، حتى أن أسطوانة الغاز لا تمكث أيامًا قليلة حتى تنفد، في ظل استهلاك مرتفع وتكلفة مرهقة على المواطن.
وفي المقابل، هناك حقيقة يتداولها كثير من المختصين والباحثين، وهي أن الأردن يمتلك كميات كبيرة من البترول والغاز، بل كميات هائلة قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتفتح الباب أمام كميات تصدير كبيرة جدًا في حال تم استخراجها واستثمارها بالشكل الصحيح، وقد تتفوق هذه الكميات في حال استغلالها على إنتاج دول مجاورة.
ومع ذلك، يخرج بعض المحللين ليكرروا أن البترول والغاز لا يكفيان للاستهلاك المحلي، وأن استخراجهما مكلف، وهو طرح لا يعكس الصورة الكاملة، بل يُستخدم كحديث للاستهلاك العام لإقناع المواطن بأن الأردن بلد فقير بالطاقة، وقد يفهم البعض الغاية من ذلك، وقد يقتنع آخرون بهذه الرواية، لكن لكل منا رأيه وروايته وتحليله والمصادر التي يستند إليها.
ويمكن توصيف الواقع بشكل أدق من خلال صورة واضحة: البترول في الأردن عبارة عن عبوة زجاجية، القعر في الأردن والفوهة في دول نفطية أخرى، وإذا استمر هذا الوضع ولم يتم استخراج النفط، فإن هذه الثروة قد تتعرض للاستنزاف، بحيث يتم سحبها بطرق غير مباشرة من قبل دول أخرى، بينما يبقى الأردن خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
ولا يقف الأمر عند حدود الإنتاج المحلي، بل يمتد إلى ملف الاستيراد، حيث إن هذا القطاع لا يزال محصورًا بجهات معينة، ولا يُسمح بالمنافسة الحقيقية فيه، رغم أن هناك إمكانية لاستيراد البنزين بأجود المواصفات العالمية وبكلفة أقل من النصف مما يباع في الأسواق، وحتى بعد احتساب الضرائب والتخزين لن يصل إلى السعر الحالي.
وقد عُرضت بالفعل في بداية العام أسعار خيالية، وكانت فرصة حقيقية لتخفيف العبء عن الدولة والمواطن، لكن المشكلة لم تكن في السعر ولا الجودة، بل في عدم السماح بالاستيراد، ووجود من يقوم بالاستيراد دون وجود منافسة حقيقية، وهو ما يطرح تساؤلات كبيرة حول طبيعة هذا الملف.
كما أن هناك حاجة ملحّة لتطوير البنية التحتية في العقبة، خاصة فيما يتعلق بخزانات الوقود، لتسهيل عمليات الاستيراد والتخزين، وفتح المجال أمام حلول عملية. بل إن هناك طرحًا واضحًا يتمثل في إمكانية استيراد المحروقات وبيعها للحكومة واصل ميناء العقبة بأسعار أقل بكثير مما يتم الشراء به حاليًا، مما يوفر على الخزينة ويخفف العبء عن المواطن، بدل الاستمرار في ما يسمى بالدعم دون أثر ملموس.
إن أقل ما يطالب به المواطن اليوم هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، وهذا ليس حلمًا، بل خيار واقعي إذا تم اتخاذ قرار جريء بتفعيل آبار النفط واستغلال الموارد المحلية، بدل الاستمرار في الاعتماد على الخارج وتحميل المواطن كلفة ذلك.
الأردن ليس بلدًا فقيرًا بالطاقة، بل بلد لم يُفعّل ثروته بعد، وما بين ارتفاع الأسعار، واحتكار الاستيراد، وتأخر القرار، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن، والمطلوب اليوم ليس تبريرات، بل قرار واضح وشجاع: استخراج الثروة، وكسر الاحتكار، ووضع مصلحة المواطن أولًا