البطاينة : استقرارنا ليس صدفة .. وقيادتنا تتقن الصمود وإدارة القلق الإقليمي

استضافت مؤسسة دار الحسام للعمل الشبابي في محافظة الزرقاء معالي الوزير الأسبق نضال البطاينة في جلسة حوارية حول الواقع الإقليمي وما المطلوب اليوم من الشباب، حيث افتتح المحامي حسام الخصاونة مدير عام المؤسسة الحديث مُرحباً بالضيف.

وتالياً أبرز ما جاء على لسان البطاينة:

•الوضع الجيو-سياسي في الإقليم صعب للغاية تتبدّل به الأدوار وتتغير فيه التحالفات، والإنجاز الحقيقي هو الثبات والصمود في وجه ما يحدث.

•الإقليم منذ ما يقارب ١٠٠ عام على أقل تقدير يعاني من الأزمات تلو الأخرى، قد يكون مَرَدّ هذه الأزمات هو ملف الطاقة وسباق السيطرة على خطوط الإمداد وسلاسل التوريد التي تربط العالم ببعضه، ولكن بإعتقادي أن أحد الأسباب الحقيقية والجوهرية هو غياب حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، ولن تهنأ المنطقة بالسلام والاستقرار إلّا بإيجاد حل لهذه القضية وقد أكدت على ذلك قيادتنا الحكيمة مرارا وتكرارا.

•لا يستطيع أحد التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور، وخاصة في ظل وجود تيار ديني متشدد في إيران من جهة، ومن جهة أخرى وجود رئيس أمريكي لا يقل يمينية عن الإيراني ويخرج في كثير من الأحيان عن الأعراف والدبلوماسية المعروفة سابقاً عن الصورة النمطية للرئاسة الأمريكية، فهذا الرئيس متحرر من كل القيود ويعمل بعقلية الصفقات لا عقلية رجل السياسة.

•المشهد اليوم هو حالة حرب حقيقية بعيداً عن ما جرى في حرب ال١٢ يوم التي جرت في حزيران ٢٠٢٥، فاليوم أمريكا (وبالتأكيد إسرائيل أيضاً) حشدت قواتها في المنطقة وإيران تعلّمت من تلك الحرب، وأيضاً كل طرف منهما له أهداف محدده؛ نظرياً أمريكا تبدّل كل يوم تلك الأهداف والهدف الوحيد الثابت هو (تقليم أظافر إيران في الإقليم وتجفيف منابع الخطر القادم من الشرق)، وعملياً إيران متمسّكة بملفها النووي وتريد وقف الهجمات عليها وأن تجلس على الطاولة كقوة عظمى في الإقليم لا ك بلد هش قابل للإبتلاع.

•السيناريو الأسوأ لليوم التالي للحرب هذه هو أن تنتهي هذه الحرب بدون مسار واضح سواءاًللتفاوض على الملفات العالقة بين الاطراف المتنازعة أو بالعملية العسكرية، فبقاء تلك الملفات التي هي بالأساس (أصل النزاع) مفتوحة، يعني أننا أمام حالة من اللاحرب واللاسلم، ما قد يؤثر مستقبلا على شكل الإقليم بسبب التوترات التي قد تتوسع بأي لحظة.

*  ما يهمنا من ذلك بالدرجة الأولى هو الأردن خصوصا في ظل غياب مشروع عربي حاول الأردن انشاؤه ولكن لا حياة لمن تنادي.

*  بالنسبة لمشروع عربي وتاريخيا، الأردن أول الحاضرين وآخر المغادرين ولكن للأسف الأردن دوما مطلوب منه ان يقوم بدوره في ظل قيامه بدوره ، والآخرين لا يطلب منهم القيام بأي دور في ظل عدم قيامهم بأي دور أصلا.

وأضاف بالبطاينة:

* بجانب دفاعه المستميت عن القضية الفلسطينية، الأردن كان وما زال تركيزه مُنصبّاً على منع انهيار الإقليم، وتجنب الفوضى الأمنية فيه، وحماية الأمن القومي الأردني من ارتدادات تضارب المشاريع، ويسعى دائماً لحقن الدماء، فهذا الخطاب المتككرللأردن ليس خطاب طامع، بل خطاب دولة صغيرة الحجم تُدرك ثمن الحروب الكبرى، وتعرف أنها أول من يدفع الفاتورة، وذلك من أبسط حقوقها.

* لا يجوز لأيٍ كان أن يتهم الأردن وتصويره  كمتآمر فهذا نابع عن حقد او جهل ، فالدولة التي تحذّر من الحرب قبل وقوعها، وتقود حراكاً عالمياً لوقفها، وتُسجّل موقفاً ثابتاً بأن الإقليم يجب أن يُحمى لا أن تُستثمر الكوارث فيه، ليس متآمر وليس خائن للأمة.

* إن أخطر ما في هذه الإدعاءات ليس فقط الكذب والافتراء على الأردن (فهذا تعودنا عليه من زمن محمد حسنين هيكل وأذناب النظام الناصري وحافظ الأسد)، بل توقيتها وسياقاتها، فإعادة تدوير هذه الرواية اليوم، عبر منصات معروفة الارتباط بأجندات أيديولوجية منبوذة، لا يمكن فصله عن توترات سياسية معروفة، ولا عن محاولات ضرب الثقة بين الدولة الأردنية والحاضنة الشعبية، حيث أن الأردن تاريخياً لم يكن دولة مشاريع توسُّع، بل دولة توازنات، لم يبنِ شرعيته على التجاذبات السياسية، بل على حكمة تصفير الخلافات والبقاء في إقليم يشتعل.

* من يقرأ الوضع الجيوسياسي للإقليم بضمير الباحث لا بنية التحريض، يُدرك حقيقة واحدة أن الأولوية القصوى لجلالة الملك عبد الله الثاني كانت تجنيب الأمة ويلات الحرب، لا اقتسام غنائمها، وهنا فإننا لا بُدّ أن نُدافع عن الدولة الأردنية ليس فقط لأنها دولتنا فحسب، بل لأن الحقيقة لا تحتمل المُساومة.

* نحن امام حالة أحب أن أسميها "انتحار التوقعات" ، فلمذا  يرفض الأردن أن يسقط بينما ينتظر البعض  جنازته، فليكف البعض  عن رثاء "الاستقرار"، فالأردن لا ينجو بالصدفة، إنه يُهندس البقاء، هل سألت أنفسنا ذات  يوم: كيف لهذه الدولة صغيرة الحجم على خريطة الشرق الأوسط أن تظل واقفةً بينما تنهار من حولها الجبال؟

البعض يظن أن استقرار الأردن "حظ" ولكن الحقيقة ان الأردن بقيادته يدرك ويتقن فلسفة الصمود وإدارة القلق الإقليمي، فبينما تحترق سوريا، وتنزف العراق، وتموج لبنان بالظلام ويغرق الإقليم في وحل الصراعات الأبدية، تقف عمّان في عين العاصفة.

* الأردن ينتهج دبلوماسية وقائية، بتصفير الخلافات مع الجميع، وهو ما يجعل الأردن يجلس على طاولة الأعداء قبل الحلفاء، ويصافح الشيطان لكي يحمي منزله من الحريق، ويبتلع الفوضى قبل أن تلمس حدودنا.

* لننتقل إلى، ماذا على حكوماتنا وبرلماناتنا ان تفعل  في ظل كل ذلك وانا لا اخص حكومة بعينها او برلمان بعينه ، فالدولة برأسها ودبلوماسيتها وقواتها المسلحة وشعبها الواعي تعلم تماما ما تفعل ولكن كيف يحب ان تساعدها  الحكومة والبرلمان ؟

فأجاب البطاينة: برأيي أن على الحكومة والبرلمان

التماهي مع رواية الدولة وسرديتها وقيم الدولة وموقفها وتعزيز كل ذلك وإيصاله للمواطن لاستعادة الثقة بالخطاب الرسمي، فعلى الحكومة والبرلمان على حدٍ سواء الإرتقاء بالممارسات فريقاً وأفراداً، فيجب الإرتقاء  بالممارسات  لمحاكاة  رُقيّ ومصداقية رأس الدولة والقوات المسلحة والدبلوماسية الأردنية الخارجية وفكر  المواطن الواعي، فلنختر وقت فتح الملفات الداخلية الحساسة ، ولنختر الوجوه المقبولة للمواطن لمحاولة تسويق هذه الملفات بالتفاهم والحوار والحقيقي لا بطريقة "جوزك وان راد الله"

* على الحكومة ان لا تضغط "بطريقتها "  على البرلمان لينجز القانون كما كما تريد بالضبط ودون تغيير ودون دور حقيقي للبرلمان ليسقط امام المواطن.

* على البرلمان ان يقوم بدوره شاءت الحكومة او أبت، طالما يعمل البرلمان في إطار الدستور والثوابت الوطنية والمصلحة الوطنية.

* ⁠يجب على الخطاب الرسمي للحكومة أن يلامس ويفكك مسائل المواطن اليومية في الملفات العامة.

* الطبيعة لا تحتمل الفراغ، فإذا وجد فراغ في رواية رسمية رصينة ومفهومة وموثوقة، يتم اوتوماتيكيا ايجاد خطاب بديل ممن يمتهن تفتيت المجتمعات والافتراء على الوطن ومحاولة النيل منه.

* على الحكومة الإبتعاد عن تصدير بعض المسؤولين الذين ساهموا في توسيع الفجوة مع المواطن.

* ⁠على الحكومة الإبتعاد عن توكيل شخصيات مُستهلكة ليتحدثوا بلسان الدولة ولكن من فوق الشجرة، أو يختبئون بعباءة الملك، أو الذين يُنظّرون على الأردنيين، لأن هذا سيثقل على الملك والدولة بكل تأكيد ويزيد الفجوة.

* وعند سؤاله عن ما هو المطلوب من المواطن وتحديدا الشباب؟

قال البطاينة: برأيي المتواضع وبدون تنظير؟ يجب ان يثق الشاب بمنجز دولته وثوابتها وعوامل استقرارها، وهذا لن يتأتى إلا إذا اقتنع بكل ذلك، ولكي يقتنع يجب أن يفهم التاريخ والنشأة بعيداً عن التلقين والمُطبلين من جهة والمتربصين والحاقدين من جهة أخرى، فإذا فهمت فسوف تقتنع حتماً وإذا اقتنعت سوف تقنع غيرك وهكذا.

* علينا فهم دستورنا ونظامنا السياسي بشكل جيد روحا وليس نصوص، فمثلا علينا ان نفرق  بين الدولة والحكومة، فالدولة شيء مقدس وأنت مَعني بهذا الشيء كمُسلّمَة وبديهية أما الحكومة فانتقدها بقدر ما تشاء ولكن بشكل بَنّاء وضمن الأطر القانونية.

* لنمارس المواطنة الإيجابية وكيف ؟ بأن نضيء شمعة بدل من أن تنعت الظلام. ان ننتقد  الوضع الراهن ونضع  الأصبع على المشكلة ونكون جزء من الحل ، ولكن لا نقسو ولا نبطش  فنحن لم نولد بقمرة وربيع والأردن ليس الريفيرا ولدينا مشاكلنا ومنعطفاتنا التاريخية، والتي تُفرض علينا كل كم سنة. نعم يوجد فساد ولكن لنكافحه مع أنه ليس المشكلة الوحيدة لوضعنا الاقتصادي، نعم يوجد سوء إدارة ولكن لنساهم معاً في تصحيح ذلك وأيضاً سوء الإدارة ليس السبب الوحيد لوضعنا، فنحن من أزمة لازمة جاءتنا ولم نخترها. أنت في هذا البلد على الحلوة والمرة وليس على الحلوة فقط وبالتأكيد ليس على المُرّة فقط.

* لتقاوم وبقوة كل ما يفرقنا ويقسمنا ويحاول النيل من جبهتنا الداخلية.

* العشيرة خط دفاع عن استقرار هذا البلد، ولكن العشيرة وليس عشيرتك أنت فقط ، العشيرة مُكوّن اجتماعي وليس سياسي فالمكونات السياسية هي في اتحادات الطلبة والأحزاب ..الخ والتي لا تتعارض مع العشيرة.

* ⁠على الشباب ان ينخرط سياسيا بشكل حقيقي  وليس ديكوري، تكاملي  وليس إقصائي ، ممكن أن يكون تنافسي ولكنه ليس تناحري، تتعدد الطرق ولكن محطة الوصول واحدة وهي أردن مُستقر.

وختم البطاينة بالقول بأن علينا أن نكون موضوعيين في المواقف ولكن ليس بشكل متطرف ولنقبل الآخر، فمثلاً الوقوف مع إيران لا يعني بالضرورة الوقوف ضد إسرائيل، وأيضاً الوقوف مع إسرائيل لا يعني بالضرورة الوقوف ضد إيران، وحتى الحياد أيضاً، فالموقف الشخصي من الحرب يجب أن يكون نابعاً عن نظرة وطنية والمصلحة الوطنية العليا، وأن نصطف مع الدولة إينما كانت. الأردن أقوى من رأي شاب يمكن إفهامه الصحيح وعدم قمعه وتكفيره وطنيا، علينا ان نعزز التفكير النقدي لمواجهة الخطاب الموجّه، ففي ظل الانفتاح الإعلامي وتعدد مصادر المعلومات، يصبح امتلاك الشباب لأدوات التفكير النقدي ضرورة لا خياراً، لتمكينهم من تحليل الخطاب السياسي والإعلامي، وكشف محاولات التأثير والتوجيه، والتمييز بين الطرح الموضوعي والمحتوى المضلل (بدكوا تتعلموا تروزوا المواقف)، بما يحفظ وعيهم ويحصّن المجتمع من الانجرار خلف حملات ممنهجة.