الأردن.. حين تمحو أصالة ابنائه ضجيج الشاشات المسمومة.


بقلم سوزان ابو بكر 
في الوقت الذي تلتف فيه القلوب حول راية الوطن، وتضاء فيه الشوارع ببهجة الاحتفالات والمناسبات الوطنية، تبرز على سطح العالم الافتراضي فئة اختارت أن تغرد خارج سرب الفرح، محولةً منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتواصل الإنساني إلى خنادق لبث الكراهية واستهداف المنجز الوطني بوابل من النقد الهدّام، في محاولة بائسة لتشويه حالة الالتفاف الشعبي التي تثبت في كل مرة أن النسيج الأردني عصيُّ على التمزق. ولا يمكن حصر هذه التصرفات في إطار "حرية التعبير"، فالمسافة شاسعة بين النقد البنّاء الذي يطمح لرفعة الوطن، وبين "العدمية" التي تحاول طمس كل جميل، حيث تعكس هذه الأصوات حالة من الاغتراب النفسي والسوداوية التي تضيق ذرعاً بمشاهد الوئام والاستقرار.

غير أن الرد الحقيقي على هذا الضجيج الرقمي لا يأتي من خلف الشاشات فحسب، بل يتجسد واقعاً حياً عندما تجوب محافظات المملكة من شمالها الأشم إلى جنوبها الصامد، فترى مشهداً مهيباً يختزل معنى الانتماء؛ حيث تتعانق سواعد الكبار مع حماس الشباب، وترتسم الفرحة على وجوه الأطفال وهم يعانقون راية الوطن في القرى والبوادي والمخيمات والمدن. هناك، في معان والكرك وإربد وعمان وكل حبة تراب أردنية، تذوب الفوارق وتتوحد الحناجر تحت ظل "الراية" التي ترفرف بزهو، معلنةً أن الأردن ليس مجرد جغرافيا، بل هو حالة وجدانية تسكن كل بيت، وأن هذا العناق الصادق بين الشعب ورموزه هو الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات التشكيك وبث الإحباط.

وأمام هذا المد الشعبي العفوي، تتقزم تلك الأصوات المسمومة التي أدمنت العيش في عتمة المنصات، فحب الأوطان لا يُبنى بالمنشورات المأجورة أو التعليقات الحاقدة، بل يُشيد بالإيمان الراسخ والعمل الدؤوب، وسيبقى الأردن دائماً أكبر من مجرد كلمات عابرة في فضاء افتراضي، وسيظل فرحه عنواناً للصمود، ومناسباته محطات لتجديد العهد، بينما يكمل الوطن مسيرته نحو الضوء بوعي أبنائه الذين يدركون أن حماية الفرح الوطني هي جزء لا يتجزأ من حماية كرامة الوطن وهيبته.