المجتمع وسكك الحديد والتاريخ البديل
محمد تركي الربيعو
ما يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة أن الصورة التي تتشكل في الوعي العربي عن إيران تكاد تكون أحادية إلى حد كبير. فغالبية ما يُترجم أو يُكتب يدور في فلك السياسة، مثل الكتب التي تتناول تاريخ الثورة، النظام، الحرس الثوري، البرنامج النووي، والصراعات الإقليمية. ولذلك تبدو إيران في هذه الكتابات كدولة تتحرك فقط عبر قرارات قادتها أو عبر مواجهاتها مع الخارج، بينما يغيب إلى حد بعيد سؤال المجتمع نفسه: كيف يعيش الإيرانيون؟ كيف تتشكل مدنهم؟ كيف تغيرت حياتهم اليومية عبر الزمن؟
هذا الغياب لا يعود فقط إلى قلة الاهتمام، بل إلى طبيعة المعرفة المتداولة، التي تميل إلى التقاط اللحظات الكبرى على حساب التحولات البطيئة والعميقة. ولهذا، فإن إيران التي تصل إلى القارئ العربي غالباً ما تكون إيران السلطة، بدلاً من إيران الناس. وحتى حين تظهر محاولات مختلفة، مثل بعض كتب الرحلات والروايات، أو كما في كتاب ندى الأزهري «عربية في إيران»، فإنها تبقى استثناءات محدودة لا تكفي لبناء صورة متكاملة عن المجتمع.
ويزداد هذا الاختزال حدة حين تُقرأ إيران فقط من زاوية موقعها السياسي الراهن، بكل ما يحمله من توتر وصراع، بحيث يصبح من الصعب فصل النقاش حولها عن المواقف منها، ورغم موقفنا ورفضنا لما تقوم به من هجمات وقصف لمدن عربية، تحت ذرائع مختلفة. لكن حتى ضمن هذا السياق المشحون، تبقى هناك طبقات أخرى من الفهم، تتعلق بكيفية تشكل المجتمع الإيراني نفسه عبر الزمن، وبالتحولات التي مست بنيته من الداخل.
من هنا تبرز أهمية الالتفات إلى نوع مختلف من الدراسات، تلك التي تنطلق من تفاصيل تبدو في ظاهرها تقنية أو هامشية، لكنها تكشف في جوهرها عن تحولات اجتماعية كبرى. فليست كل قصة تُروى عن دولة تبدأ من السياسة، بل أحيانا تبدأ من طريق، أو مدينة، أو حتى خط سكة حديد. في هذه التفاصيل الصغيرة، يمكن التقاط التحولات، التي لا تظهر في الخطابات الكبرى، لكنها هي التي تعيد تشكيل المجتمع فعلياً.

في هذا السياق، يأتي كتاب «إيران في حركة: الحركة والفضاء وسكة الحديد العابرة لإيران” لمؤلفه المؤرخ الياباني ميكيا كوياغي أستاذ التاريخ في جامعة يورك، بوصفه نموذجا لهذا النوع من المقاربات. فالكتاب لا يتعامل مع السكك الحديدية كمجرد مشروع للنقل، بل ينظر إليها بوصفها مدخلاً لفهم المجتمع الإيراني الحديث، كيف أعادت الدولة تنظيم الحركة؟ كيف تغيرت علاقة الناس بالمكان؟ كيف نشأت فئات اجتماعية جديدة؟ وكيف أعادت هذه التحولات تعريف علاقة الفرد بالدولة؟
اختيار كوياغي لهذا الموضوع يرتبط بسؤال أعمق، إذ ينطلق من ملاحظة أن التاريخ الإيراني الحديث كُتب في الغالب من الأعلى، أي من منظور الدولة، النخب، والانقلابات، بينما بقيت التحولات اليومية التي مست حياة الناس أقل حضوراً، لذلك حاول أن يكتب تاريخاً «من الأسفل»، من خلال مفهوم الحركة نفسها، من يتحرك؟ كيف يتحرك؟ من يُسمح له بالحركة ومن يُقيّد؟ وكيف تعيد الدولة توزيع الحركة داخل المجتمع؟ من هنا تصبح سكة الحديد أداة لفهم السلطة بقدر ما هي أداة للنقل.
فالسكك الحديدية لم تكن مجرد بنية تحتية، بل كانت مشروعاً لإعادة تنظيم المجتمع. الدولة لم تكن تريد فقط نقل البضائع والناس، بل كانت تسعى إلى إعادة تشكيل الفضاء الإيراني نفسه. فحين تربط طهران بالأطراف، لا يجري فقط تسهيل الحركة، بل يجري أيضاً فرض مركز جديد للبلاد. تتحول طهران إلى محور، وتصبح بقية المناطق مرتبطة بها اقتصاديا وسياسيا وديموغرافيا، وهو ما ما يعيد تعريف معنى «المركز» و»الهامش». لكن الأهم أن هذا التحول لم يكن محايداً.. فالحركة التي أنتجتها السكك الحديدية لم تكن متاحة للجميع بالشكل نفسه. بعض الفئات أصبحت أكثر قدرة على التنقل والعمل، بينما تعرضت فئات أخرى للتهميش أو الإزاحة. الفلاحون، على سبيل المثال، لم يستفيدوا دائماً من هذا التحول، بل تعرضوا أحياناً لانتزاع أراضيهم، أو لتفكك شبكاتهم التقليدية والقبائل الرحل، الذين كانت تمتلك نمطاً خاصاً من الحركة، أصبحت هدفاً لمحاولات الدولة لضبطها وإعادة توطينها.
في هذا السياق، يظهر عمال السكك الحديدية كظاهرة من أهم الظواهر الاجتماعية التي يسلط عليها الكتاب الضوء.
هؤلاء العمال لم يكونوا مجرد فئة مهنية، بل كانوا نواة لتشكل طبقة اجتماعية جديدة. لقد جاءوا من مناطق مختلفة، ومن خلفيات اجتماعية متنوعة، واجتمعوا داخل فضاء واحد تحكمه قواعد جديدة، أهمها الانضباط، الوقت، الإنتاج، والتراتبية الإدارية. هذا الاجتماع لم ينتج فقط قوة عمل، بل أنتج أيضاً هوية مشتركة. هذه الهوية تشكلت عبر التجربة اليومية، مثل العمل في بيئة خطرة، التعرض للحوادث، التعامل مع الآلات، والعيش في مدن أو معسكرات جديدة.. وقد لعبت الحوادث تحديداً دوراً مهماً في تشكيل وعي العمال بأنفسهم، لم تكن مجرد أحداث عرضية، بل جزءاً من تجربتهم الجماعية. مشاهدة الموت، أو التعرض للإصابة، أو إنقاذ زملاء، كلها تحولت إلى عناصر في سردية «التضحية»، وهي السردية التي ستظهر لاحقاً في مطالبهم واحتجاجاتهم.
ومع مرور الوقت، لم يعد العمال مجرد منفذين، بل أصبحوا فاعلين.. فهموا النظام الذي يعملون داخله، واكتسبوا معرفة تقنية واجتماعية مكنتهم من التفاوض مع الدولة، أو حتى تعطيل العمل عند الحاجة، الإضرابات، الاحتجاجات، والالتماسات التي رفعوها لاحقاً، كلها تعكس تحولهم من مجرد عمال إلى قوة اجتماعية تمتلك خطاباً خاصاً بها. ولا يقتصر هذا التحول على مكان العمل، بل يمتد إلى الحياة اليومية. فمع توسع مشاريع السكك الحديدية، بدأت تظهر مدن ومجتمعات جديدة حولها. هذه المجتمعات لم تكن تقليدية، بل كانت مرتبطة بالمؤسسة، مثل مؤسسة المدرسة، الترفيه، وحتى الغذاء، كلها أصبحت جزءاً من نظام تنظمه جهة واحدة. هنا يظهر ما يمكن تسميته «المجتمع الصناعي المصغر»، حيث يعيش الأفراد داخل عالم تحكمه قواعد مختلفة عن القرى أو المدن القديمة.
هذا التحول انعكس أيضاً على الأسرة. فالنموذج الذي بدأ يترسخ هو نموذج الأسرة النووية، حيث يكون الرجل العامل هو المعيل الأساسي، بينما تتراجع الأدوار الاقتصادية التقليدية للنساء، وهنا نرى أن التغير لم يكن نتيجة اختيار فردي فقط، بل نتيجة البنية الجديدة التي فرضتها الحياة في مجتمعات السكك الحديدية. ومع ذلك، فإن هذا النموذج حمل داخله تناقضاً واضحاً، فبينما تبنى العمال فكرة الأسرة الحديثة، لم تكن أجورهم كافية لتحقيق هذا النموذج بشكل مريح، ما خلق حالة من التوتر بين الطموح والواقع.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً، أن السكك الحديدية لم توحد المجتمع بقدر ما أعادت إنتاج الفوارق داخله. فالفوارق بين العمال المحليين والوافدين، بين الإيرانيين والأجانب، بين المهرة وغير المهرة، كلها ظهرت بوضوح داخل هذا القطاع، بل إن الحركة نفسها أصبحت معياراً للتفاضل لدى العامل الذي يترك عائلته وينتقل عبر البلاد يُنظر إليه باعتباره أكثر «تضحية» من غيره، ما يمنحه شرعية أكبر في المطالبة بالحقوق.
كل هذه التحولات جعلت من السكك الحديدية أكثر من مجرد مشروع تحديث إذ مثلت مختبراً اجتماعياً أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الفرد والعمل، بين المركز والأطراف، وبين الحلم بحياة حديثة وحدود هذا الحلم. ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم لماذا اختار كوياغي هذا الموضوع تحديدا. فهو لا يكتب عن القطارات، بل عن المجتمع الذي تحرك معها، وتغير بسببها، وأعاد تعريف نفسه في ظلها.
بهذا المعنى، يقدم الكتاب قراءة مختلفة لإيران الحديثة لا تبدأ هذه المرة من الثورة أو السياسة، بل من الحياة اليومية، ومن التحولات التي مست الناس العاديين. وربما هنا تكمن أهميته، لأنه يعيد التذكير بأن فهم أي مجتمع لا يكتمل من دون النظر إلى تلك الطبقات العميقة التي لا تظهر في العناوين الكبرى، لكنها هي التي تصنع التاريخ فعلياً.