المشرق العربي: سايكس–بيكو رسمت الخطوط، لكننا اخترنا طريق الانقسام

 

 

بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد – مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

لأكثر من قرن، وجد كثير من العرب راحةً في تحميل اتفاقية سايكس–بيكو مسؤولية تفتيت المشرق العربي. والحجة معروفة: قوى خارجية قسمت المنطقة، ورسمت حدودًا مصطنعة، وأضعفت الوحدة العربية، وحوّلت فضاءً تاريخيًا وثقافيًا واحدًا إلى كيانات سياسية منفصلة. في هذه الحجة قدر من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة. إنها تفسير ناقص، والتفسيرات الناقصة تصبح أحيانًا خطيرة لأنها تعفي المجتمعات من واجب مراجعة الذات.

لم تقسّمنا سايكس–بيكو وحدها. لقد رسمت خطوطًا على الخريطة، ثم اخترنا نحن، بفعل الضعف والتنافس والخوف وسوء الإدارة والحسابات السياسية الضيقة، الطريق الطويل نحو الانقسام. قد تكون القوى الخارجية قد قسمت الجغرافيا، لكننا نحن حوّلنا الجغرافيا لاحقًا إلى جدران. قد تكون قد أنشأت حدودًا، لكننا سمحنا للسياسة والمؤسسات والتعليم والإعلام والخوف الطائفي والمصالح الاقتصادية والتعالي الإداري بأن يعمّق تلك الحدود ويحوّلها إلى حواجز ذهنية واجتماعية واستراتيجية.

ليست المأساة فقط أن الآخرين خططوا لتقسيم المنطقة، بل إن المأساة الأعمق أننا أدرنا هذا التقسيم تدريجيًا، ودافعنا عنه، وطبّعناه، وأحيانًا استفدنا منه.

لم يكن المشرق العربي يومًا مجرد خريطة سياسية. كان فضاءً حيًا من المدن والأسواق والعشائر والعائلات والموانئ والطرق والأفكار والعلماء والعمال والمزارعين والتجار والحجاج. لم تكن دمشق وعمّان والقدس وبيروت وبغداد وحلب ونابلس والموصل وطرابلس والسلط والكرك وحمص وحيفا أسماءً معزولة. كانت أجزاءً من جغرافيا إنسانية واقتصادية متصلة. كان الناس يتحركون ويتاجرون ويتزاوجون ويتعلمون ويعملون ويبنون عبر هذا الإقليم قبل أن تتحول الحدود الحديثة إلى سجن نفسي.

لكننا، مع مرور الزمن، وبدل أن ندير هذه الجغرافيا كمصدر مشترك للقوة، سمحنا لها بأن تصبح مصدرًا للريبة. تراجعت كل دولة إلى مخاوفها الخاصة. وانشغل كل نظام سياسي ببقائه. وصارت كل عاصمة تنظر إلى جارتها لا كشريك في بناء القوة الإقليمية، بل كمصدر تهديد أو منافسة أو لاجئين أو تهريب أو أيديولوجيا أو عدم استقرار. وبدل أن نبني جسور التجارة والطاقة والنقل والتعليم والصناعة، بنينا جدران البيروقراطية والدعاية وانعدام الثقة.

قد تكون سايكس–بيكو قد رسمت الخطوط الأولى، لكننا نحن زوّدناها بالحبر الذي جعلها دائمة.

وهنا تكمن حقيقة استراتيجية أساسية: إن المشرق العربي يشبه حبلًا مصنوعًا من قطع متعددة متفاوتة القوة. وقوة هذا الحبل لا تُقاس بأقوى قطعة فيه، بل بأضعف قطعة. فإذا كان أحد أجزائه هشًا أو ممزقًا أو مربوطًا بطريقة رديئة، فإن الحبل كله ينقطع عند تلك النقطة. وهذا هو حال المشرق العربي تمامًا. لا يمكن للأردن أن يكون قويًا بالكامل بينما سوريا مكسورة، وفلسطين محتلة، ولبنان ينهار، والعراق ما زال يعاني آثار عدم الاستقرار. إن ضعف جزء واحد ليس ضعفًا محليًا، بل هشاشة إقليمية. ولذلك يجب أن تبدأ أي عقيدة مشرقية جادة من هذه الحقيقة البسيطة: لا تستطيع أي دولة في هذه الجغرافيا أن تؤمّن مستقبلها إذا تجاهلت أضعف جزء في الحبل.

لذلك، لا يكفي أن ندين التاريخ الاستعماري. فالإدانة وحدها لا تبني دولًا، ولا تفتح حدودًا، ولا تربط شبكات كهرباء، ولا تحدّث المدارس، ولا تصلح الإدارة العامة، ولا تنشئ اقتصادات منتجة. الإدانة لا تحمي السيادة، ولا تخلق فرص عمل، ولا تستعيد فلسطين، ولا تعيد بناء سوريا، ولا تستقر بلبنان، ولا تجعل العراق أكثر أمنًا، ولا تجعل الأردن أقوى.

سيبقى المشرق العربي منقسمًا ما دام الانقسام أكثر فائدة للنخب السياسية والرعاة الخارجيين والهياكل الأمنية والمصالح الضيقة من التعاون المفيد للشعوب. وسيبقى منقسمًا ما دامت كل أزمة تُدار منفصلة، وكل حدود تُعامل كجدار نهائي، وكل اقتصاد يُدار كجزيرة صغيرة، وكل دولة تنتظر المعونة الخارجية بدل أن تبني قدرة إقليمية مشتركة.

لذلك فإن السؤال ليس فقط: من قسّمنا؟ السؤال الأهم هو: لماذا قبلنا بالانقسام كأمر طبيعي؟ لماذا فشلنا في بناء مؤسسات قادرة على تقليل أضراره؟ لماذا لم ننشئ فضاءً اقتصاديًا مشرقيًا؟ لماذا لم نبنِ أنظمة إقليمية جادة للنقل والطاقة والمياه والصناعة والأمن الغذائي والتعليم وإعادة الإعمار؟ لماذا سمحنا لشعارات الوحدة أن تحل محل العمل الصعب للتكامل؟

الإجابة مؤلمة. لقد فضّلنا كثيرًا الخطابات العاطفية على التخطيط العملي. واحتفلنا بالقمم الرمزية، لكننا أهملنا التنفيذ. وتغنّينا بالتضامن العربي، لكننا فشلنا في بناء سلاسل توريد صناعية مشتركة. وتحدثنا عن أمة واحدة، لكننا لم نستطع تبسيط إجراءات الجمارك. ودافعنا عن السيادة في الخطب، بينما أضعفناها بالديون والتبعية وسوء الإدارة والفساد وغياب القدرة الإنتاجية.

الوحدة الحقيقية لا تبدأ بالأعلام والأغاني والبيانات. إنها تبدأ بالطرق والسكك الحديدية والربط الكهربائي والمناطق الصناعية المشتركة والتعليم المهني والحدود الفعّالة والتمويل الشفاف والأمن المائي والمعايير المشتركة. تبدأ حين يستطيع مصنع أردني أن يزوّد مشروعًا لإعادة إعمار سوريا، وحين يستطيع سوق عراقي أن يدعم منتجًا لبنانيًا، وحين لا تختنق الحياة الاقتصادية الفلسطينية، وحين يصبح الأردن منصة جدية للوجستيات والصناعة، وحين يتحول المشرق إلى فضاء اقتصادي-أمني متصل بدل أن يبقى مجموعة ملفات سياسية منهكة.

لا ينبغي أن يُبنى مستقبل المشرق على الحنين. فالحنين قد يوقظ الذاكرة، لكنه لا يحل محل الاستراتيجية. كان المشرق القديم متصلًا بالتاريخ، أما المشرق الجديد فيجب أن يتصل بالمؤسسات. إذا كان الماضي قد منحنا هوية مشتركة، فإن المستقبل يتطلب أنظمة مشتركة. من دون أنظمة، تبقى الهوية شعرًا. ومن دون مؤسسات، تبقى الوحدة شعارًا. ومن دون تكامل اقتصادي، تصبح اللغة السياسية فارغة.

هذا لا يعني الدعوة إلى وحدة سياسية فورية. فهذا غير واقعي، وربما خطر في الظروف الحالية. فالمنطقة مثخنة بالجراح، محكومة بالشكوك، ومخترقة بالمصالح الخارجية إلى درجة لا تسمح بالقفز إلى صيغ سياسية كبرى. ما نحتاجه أولًا هو ميثاق مشرقي عملي يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية والتنسيق الأمني وإعادة الإعمار والتعليم والحركة المنضبطة. والهدف ليس إلغاء الدول، بل جعلها تتعاون بذكاء. وليس المقصود وحدة رومانسية، بل قوة وظيفية.

يحتاج المشرق العربي إلى عقيدة جديدة: التعاون قبل الوحدة، والمؤسسات قبل الخطب، والإنتاجية قبل الشعارات، والمصالح الإقليمية قبل الحسابات الضيقة. ويجب أن تتعامل هذه العقيدة مع الأردن وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين كملفات مترابطة، لا كأزمات منفصلة. ويجب أن تدرك أن ضعف جزء واحد يضعف الكل، وأنه لا يمكن لأي دولة في المشرق أن تحقق استقرارًا كاملًا وهي محاطة بالانهيار والاحتلال والفقر واللاجئين وطرق التجارة المكسورة والتدخل الخارجي.

والأردن، على وجه الخصوص، له مصلحة استراتيجية في هذا التفكير. لا يستطيع الأردن أن ينظر إلى نفسه فقط كدولة صغيرة تدير موارد محدودة وضغوطًا خارجية. عليه أن يفكر كدولة مشرقية مركزية تقع بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية والبحر الأحمر. قوته لن تأتي من تضخيم المشاريع في الإعلام، ولا من الاحتفال بالإعلانات دون تحليل جاد للتمويل والمشاركة المحلية والمحتوى الصناعي والعائد طويل الأجل. قوته ستأتي من التخطيط المنضبط، والمؤسسات المهنية، والقدرة الإنتاجية، والقدرة على أن يكون منصة موثوقة لإعادة الإعمار الإقليمي واللوجستيات والتدريب والتصنيع والاستقرار.

تبقى القضية الفلسطينية الجرح المركزي في المشرق. ولا يمكن لأي تسوية إقليمية جادة أن تتجاوزها. فالمنطقة التي تطبّع مع تفتيت فلسطين ستطبّع في النهاية مع تفتيت نفسها. فلسطين ليست قضية إنسانية أو سياسية فحسب، بل هي اختبار لقدرة المشرق على أن يفكر تاريخيًا وأخلاقيًا واستراتيجيًا. إن استمرار تفتيت الأرض الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني والسلطة السياسية الفلسطينية يعكس المرض الأوسع في المنطقة: جغرافيا مكسورة، وحركة مقيدة، وسيطرة خارجية، وغياب أفق سياسي عادل.

أزمة لبنان ليست منفصلة عن المشرق. ودمار سوريا ليس منفصلًا عن اقتصاد الأردن. وعدم استقرار العراق ليس منفصلًا عن أمن الإقليم. ومعاناة فلسطين ليست منفصلة عن الشرعية العربية. والهشاشة الاقتصادية الأردنية ليست منفصلة عن الفشل في بناء تكامل إقليمي منتج. هذه ليست ملفات معزولة، بل إخفاقات بنيوية مترابطة.

ولهذا فإن تشبيه الحبل مهم. لا يمكن إصلاح المشرق بتلميع أجزائه الأقوى وترك أجزائه الأضعف مكشوفة. فالحبل لا ينقطع حيث يُزيَّن، بل ينقطع حيث يكون أضعف. وكذلك المنطقة؛ لن تنهار عند موضع الخطب والاحتفالات والبيانات الرسمية، بل ستنهار حيث تكون الحوكمة أضعف، والفقر أعمق، والاحتلال أشد، والمؤسسات أكثر هشاشة، والشباب أكثر فقدانًا للثقة بالمستقبل. وأي استراتيجية تتجاهل هذه النقاط الضعيفة ليست استراتيجية، بل خداعًا للذات.

إذا استمر التفكير الحالي، فقد يبقى المشرق منقسمًا لجيل آخر. ليس لأن الوحدة مستحيلة، بل لأن بنية الانقسام ما زالت أقوى من بنية التعاون. فالانقسام له مؤسسات وحدود وميزانيات وممارسات أمنية وروايات إعلامية ومستفيدون. أما التعاون فما زال يُعامل كخطاب أو ذاكرة أو شعار موسمي.

وهذه هي القضية المركزية. نحن لا نفتقر إلى التاريخ، بل نفتقر إلى الإدارة. لا نفتقر إلى الهوية، بل نفتقر إلى المؤسسات. لا نفتقر إلى الخطب، بل نفتقر إلى التنفيذ. لا نفتقر إلى العاطفة، بل نفتقر إلى الانضباط الاستراتيجي.

لن يُنقَذ المشرق بالاستمرار في لوم سايكس–بيكو إلى الأبد. ولن يُنقَذ أيضًا بإنكار الضرر الذي سببه التدخل الاستعماري والتلاعب الخارجي. يجب أن نحمل الحقيقتين معًا. لقد استغلت القوى الخارجية المنطقة، لكن الفشل الداخلي سمح لهذا الاستغلال بأن يصبح دائمًا. رسمت الاتفاقيات الأجنبية الحدود، لكن الضعف المحلي حوّل تلك الحدود إلى قدر.

يبدأ الطريق إلى الأمام بالصدق الفكري. يجب أن نتوقف عن استخدام التاريخ كذريعة للفشل الحاضر. ويجب أن نتوقف عن اعتبار كل مؤامرة خارجية دليلًا على براءتنا. فالأمم لا تُقاس فقط بما فعله الآخرون بها، بل بما فعلته هي بعد وقوع الضرر. هل أعادت البناء؟ هل أصلحت؟ هل تعلمت؟ هل أنشأت مؤسسات؟ هل أنتجت معرفة؟ هل حفظت الكرامة؟ هل حوّلت الجغرافيا إلى قوة؟

سيبقى المشرق العربي منقسمًا إلى أن يصبح التعاون أكثر ربحًا من التفتيت، وأكثر أمنًا من العزلة، وأكثر عملية من الشعارات. وسيبقى منقسمًا إلى أن تنتج المنطقة قادة ومؤسسات وخبراء ومواطنين يدركون أن الجغرافيا ليست لعنة إلا إذا أُسأت إدارتها.

قد تكون سايكس–بيكو قد رسمت الخطوط، لكننا نحن اخترنا طريق الانقسام. والسؤال الآن هو ما إذا كنا نملك الشجاعة والانضباط والجدية لاختيار طريق آخر؛ طريق تُقوّى فيه أضعف نقطة في الحبل أولًا، لأن المشرق كله لن يستطيع الوقوف بقوة حقيقية إلا عندها.

إخلاء مسؤولية:

يمثل هذا المقال الآراء الشخصية والتفسيرات والاجتهادات المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حداد. وهو مخصص فقط لأغراض إعلامية وتثقيفية، ولا يشكل نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.

وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة؛ ومع ذلك، لا يتحمل أي مسؤولية أو التزام من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو أو عن استخدام المعلومات الواردة أو الاعتماد عليها. ويُشجَّع القراء والمؤسسات على ممارسة تقديرهم الخاص وتكييف المفاهيم الواردة هنا مع ظروفهم الخاصة.