كيف نحمي أنفسنا من الأخبار الكاذبة في زمن الخداع المنظّم

 

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد – مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

نحن نعيش اليوم في زمن الأخبار الكاذبة. فلم تعد المعلومة المضللة مجرد إشاعة عابرة، أو خطأ فردي، أو سوء فهم بريء، بل أصبحت صناعة منظّمة، وأداة سياسية، وسلاحًا نفسيًا، ووسيلة مقصودة في كثير من الأحيان لإضعاف المجتمعات، وإرباك المواطنين، وضرب الثقة، وتوجيه الرأي العام نحو استنتاجات تخدم مصالح خفية.

في الماضي، كانت الإشاعات تتحرك ببطء. تنتقل من شخص إلى آخر، أو من سوق إلى سوق، أو من مجلس اجتماعي إلى آخر. أما اليوم، فإن رسالة مفبركة، أو مقطع فيديو قديم، أو صورة مضللة، أو تصريحًا محرّفًا، يمكن أن يعبر البلدان خلال دقائق. لم تعد الكذبة تحتاج إلى صحيفة، أو إذاعة، أو منصة رسمية. كل ما تحتاجه هو هاتف محمول، وحساب على وسائل التواصل، وأشخاص مستعدون لإعادة الإرسال دون تحقق.

وهذا ما يجعل الأخبار الكاذبة اليوم أكثر خطورة من السابق. فهي لا تخاطب العقل فقط، بل تستهدف العاطفة أيضًا. تستخدم الخوف، والغضب، والتعاطف، والفخر، والدين، والوطنية، والقلق العام، لدفع الناس إلى رد فعل سريع. فالهدف في كثير من الأحيان ليس أن يفكر الناس، بل أن ينفعلوا. وكلما كان رد الفعل أسرع، انتشرت المعلومة الكاذبة بسرعة أكبر.

يعلمنا التاريخ أن الخداع كان دائمًا جزءًا من الصراعات. ففي الحرب العالمية الثانية، أدرك ونستون تشرشل القيمة الاستراتيجية للخداع في زمن الحرب. وتنسب إليه العبارة الشهيرة التي تقول إن الحقيقة في زمن الحرب ثمينة إلى درجة أنها تحتاج إلى أن تحاط بـ “حارس من الأكاذيب”. وقد انعكست هذه الفكرة في عملية بودي غارد – Operation Bodyguard، وهي خطة الخداع التي استخدمها الحلفاء قبل إنزال النورماندي لتضليل ألمانيا النازية بشأن المكان والزمان الحقيقيين للهجوم.

لكن الفرق كبير بين الأمس واليوم. ففي الماضي، كانت عمليات الخداع إجراءات استثنائية تستخدمها الدول في زمن الحرب الكبرى. أما اليوم، فقد أصبح الخداع ممارسة يومية في السياسة، والحرب، والإعلام، والتجارة، والانتخابات، والعلاقات العامة، ووسائل التواصل الاجتماعي. لم يعد الخداع محصورًا في ساحات القتال، بل دخل بيوتنا، وهواتفنا، ومجموعات العائلة، ودوائر العمل، وحواراتنا الوطنية.

ومع التوتر القائم في الإقليم، تصبح الخطورة أكبر. فقد تقوم حكومات، وأجهزة استخبارات، وجماعات سياسية، ومجموعات ضغط، ومصالح تجارية، وأطراف معادية، بتشكيل فرق متخصصة لنشر الإشاعات، وصياغة الروايات، وتضخيم الأحداث، وإخفاء الحقائق، أو زرع الشك داخل المجتمع. وليس الهدف دائمًا إقناع الناس بكذبة واحدة واضحة؛ فقد يكون الهدف أحيانًا خلق الارتباك، وتدمير الثقة، وتقسيم المجتمع، وجعل المواطن غير قادر على التمييز بين الحقيقة والباطل.

وفي منطقتنا، تُعد إسرائيل من أكثر الأطراف خبرة في استخدام المعلومات، والروايات الإعلامية، والضغط النفسي، والرسائل الانتقائية، والاتصال الدولي، كأدوات في إدارة الصراع. وينبغي فهم هذا الأمر بجدية وهدوء. فالمسألة ليست في رفض كل خبر تلقائيًا، ولا في تصديق الطرف الآخر بصورة عمياء، بل في إدراك أن الصراع الحديث لا يُدار بالسلاح والدبلوماسية والاقتصاد فقط، بل يُدار أيضًا بالعناوين، والصور، والتسريبات، والإشاعات، والقصص العاطفية، والروايات المصممة بعناية.

لذلك، يجب على المواطنين التعامل مع كل الأخبار المرتبطة بالصراعات بانضباط. فالفيديو القادم من ساحة المعركة ليس دائمًا دليلًا. والعنوان المثير ليس دائمًا حقيقة. والرسالة الصوتية من شخص مجهول ليست برهانًا. والخبر الذي يُعاد تداوله آلاف المرات لا يصبح صحيحًا لمجرد أن كثيرين أعادوا إرساله. ففي العصر الرقمي، قد يخلق التكرار وهم الحقيقة، حتى لو كانت المعلومة الأصلية ضعيفة، أو كاذبة، أو مصممة للتضليل.

القاعدة الأولى في حماية أنفسنا بسيطة: لا تستعجل. فالأخبار الكاذبة تعتمد على السرعة. والشخص المسؤول يتوقف قبل أن يصدق، أو يعلّق، أو يعيد الإرسال. وقد لا تستغرق هذه الوقفة سوى دقائق قليلة، لكنها قد تمنع خوفًا، أو ارتباكًا، أو كراهية، أو ضررًا يلحق بأبرياء. ففي زمن الاتصال الفوري، لم يعد التريث ضعفًا، بل أصبح حكمة.

والقاعدة الثانية هي التحقق من المصدر. من أصدر هذه المعلومة؟ هل هي مؤسسة رسمية، أو صحيفة معروفة، أو خبير معروف، أم مجرد حساب مجهول؟ إن الرسالة التي تبدأ بعبارات مثل: “عاجل”، أو “خطير”، أو “يرجى التعميم”، أو “من مصدر موثوق”، لا ينبغي اعتبارها موثوقة ما لم يكن المصدر واضحًا، ومسمى، وقابلًا للتحقق. فالمعلومة من دون مصدر ليست خبرًا، بل مجرد ادعاء.

والقاعدة الثالثة هي البحث عن التأكيد. فالخبر المهم يجب أن يظهر في أكثر من مصدر موثوق. وإذا ورد أمر خطير فقط في رسالة واتساب، أو صفحة مجهولة على وسائل التواصل، أو تسجيل صوتي بلا اسم ولا دليل، فيجب التعامل معه بحذر. وفي كثير من الأحيان، يكون صمت المصادر الموثوقة أكثر أهمية من ضجيج المصادر المجهولة.

والقاعدة الرابعة هي التمييز بين الحقيقة والتفسير. فكثير من الرسائل المضللة تخلط بين حقيقة صغيرة واستنتاج عاطفي كبير. فمثلًا، قد يكون القول إن اجتماعًا قد عُقد حقيقة. أما القول إن هذا الاجتماع يعني خيانة، أو انهيارًا، أو نصرًا، أو مؤامرة، أو استسلامًا، فهو تفسير يحتاج إلى دليل وتحليل. وتبدأ الخطورة عندما يقبل الناس التفسيرات وكأنها حقائق.

والقاعدة الخامسة هي فحص السياق. فكثير من الصور ومقاطع الفيديو المستخدمة في الأخبار الكاذبة ليست مزيفة بالضرورة. قد تكون حقيقية، لكنها قديمة. وقد تكون من بلد آخر. وقد تكون مرتبطة بحادث مختلف. فالصورة الحقيقية يمكن أن تحمل قصة كاذبة. لذلك يجب أن نسأل دائمًا: متى التُقطت؟ وأين حدثت؟ ومن أكدها؟ وما هو السياق الكامل؟

والقاعدة السادسة هي الوعي بالتكنولوجيا. فالصور يمكن تعديلها. والفيديوهات يمكن اقتطاعها. والأصوات يمكن تقليدها. والذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج صور وخطابات ومشاهد تبدو واقعية جدًا. وهذا لا يعني أن نشك في كل شيء، لكنه يعني ألا نصدق شيئًا لمجرد أنه يبدو احترافيًا، أو مؤثرًا، أو واسع الانتشار.

والقاعدة السابعة هي أن نسأل: من المستفيد؟ فالأخبار الكاذبة نادرًا ما تكون بريئة. قد تخدم مصالح سياسية، أو منافسة تجارية، أو انتقامًا شخصيًا، أو انقسامًا اجتماعيًا، أو تأثيرًا خارجيًا، أو حربًا نفسية. أحيانًا يكون الهدف خلق الخوف. وأحيانًا إضعاف المعنويات. وأحيانًا دفع الناس إلى فقدان الثقة بالمؤسسات. وأحيانًا إثارة الغضب بين مكونات المجتمع. إن سؤال “من المستفيد؟” يساعدنا على كشف الغرض المحتمل وراء الرسالة.

والقاعدة الثامنة هي الاعتماد على المصادر الرسمية والمهنية في القضايا الحساسة. ففي الموضوعات المتعلقة بالأمن، والصحة، والبنوك، والمدارس، والحدود، والطوارئ الجوية، والقوانين، والسلامة العامة، أو التطورات العسكرية، يجب الاعتماد على البيانات الرسمية، والمؤسسات المعروفة، والمصادر المهنية الموثوقة. فالرسائل غير الرسمية قد تخلق ذعرًا غير مبرر، وقد تسبب ضررًا حقيقيًا.

كما تحتاج مجموعات العائلة، والصفحات المجتمعية، والمنصات المهنية، إلى ثقافة مسؤولية. فليس كل رسالة تستحق الإرسال. وليس كل تسجيل صوتي درامي يستحق الاهتمام. وليس كل منشور غاضب يستحق التأييد. ويمكن اعتماد قاعدة مفيدة في جميع المجموعات: لا يجوز تداول الأخبار العاجلة أو الحساسة إلا إذا كان مصدرها واضحًا وكانت المعلومة موثقة.

وعندما يشارك الآخرون أخبارًا كاذبة، يجب أن يكون التصحيح بأدب. فكثير من الناس لا ينشرون المعلومات الخاطئة بسوء نية، بل قد يكونون قلقين، أو متأثرين، أو متحمسين، أو مضللين. وبدل مهاجمتهم، يمكن أن نقول: “شكرًا على المشاركة، لكنني تحققت ويبدو أن المصدر غير واضح”، أو “يبدو أن هذا الفيديو قديم”، أو “لننتظر تأكيدًا رسميًا”. فالتصحيح المهذب يحمي الحقيقة من دون أن يفسد العلاقات.

إن حماية أنفسنا من الأخبار الكاذبة لا تعني رفض كل الأخبار أو العيش في شك دائم. بل تعني بناء تفكير منضبط. تعني أن نسأل قبل أن نقبل الاستنتاجات. وتعني أن نحترم قوة الكلمات، والصور، والرسائل. وتعني أن ندرك أن كل شخص يحمل هاتفًا محمولًا أصبح جزءًا من سلسلة المعلومات.

في الماضي، كانت مسؤولية النشر تقع أساسًا على الصحف، والإذاعة، والتلفزيون. أما اليوم، فإن كل فرد قادر على النشر، والإرسال، والتأثير، والتضليل، حتى من دون قصد. ولذلك، فإن كل فرد يجب أن يتحمل جزءًا من المسؤولية.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط بين الحقيقة والباطل، بل بين العقول المنضبطة والعواطف المُستَغَلّة. فالمجتمع الذي يفكر قبل أن يعيد الإرسال يحمي نفسه. والمواطن الذي يتحقق قبل أن يصدق يساهم في الاستقرار الوطني. ومجموعة العائلة التي ترفض الإشاعات تحمي أبناءها. والمجتمع المهني الذي يطلب المصادر يحمي مصداقيته.

في زمن الخداع المنظّم، لم يعد الوعي خيارًا. لقد أصبح واجبًا مدنيًا. وأفضل دفاع ضد الأخبار الكاذبة ليس الصمت، وليس الرقابة، بل التفكير النقدي، والتحقق، والتريث، والمسؤولية في النشر. فالحقيقة لا تحميها الحكومات والمؤسسات وحدها، بل تحميها أيضًا العقول المنضبطة والأيدي المسؤولة.

إخلاء مسؤولية:

يمثل هذا المقال الآراء الشخصية والتفسيرات والاجتهادات المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حدّاد. وهو مخصص فقط لأغراض التوعية والتعليم، ولا يشكل نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.

وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية أو التزام من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو أو عن استخدام المعلومات الواردة في هذا المقال أو الاعتماد عليها. ويُشجع القراء والمؤسسات على ممارسة تقديرهم الخاص وتكييف الأفكار الواردة هنا مع ظروفهم الخاصة.