علقم ـ يكتب: يومُ العُمّال في الأُردن… حينَ تُصبحُ السَّواعِدُ سِيادةً، ويغدو الإِنسانُ ثِروةَ الوطنِ الأولى.

المعلم . محمد أحمد علقم 
مدرس اللغة الإنجليزية 
---
في الأوّل من أيّار، لا نكتبُ عن العُمّال بوصفهم فئةً من فئات المجتمع، بل نكتبُ عن جوهر الدولة نفسها؛ عن ذلك الخيط غير المرئيّ الذي يربطُ بين الحُلم والإنجاز، بين الرؤية والتطبيق، بين القيادة والسواعد التي تُترجمها واقعًا حيًّا. هنا، في الأردن، لا يُقاسُ العملُ بعدد الساعات، بل بقدرته على صناعة الأثر، وبما يتركه من بصمةٍ في مسار وطنٍ يُراهنُ على الإنسان قبل كلّ شيء.

إنّ المقاربة العلمية ليوم العمّال تفرضُ علينا قراءةً تتجاوز المجاملة إلى التحليل؛ فالعامل الأردني لم يعد مجرّد منفّذٍ لسياساتٍ اقتصادية، بل أصبح محورًا في معادلة التنمية المستدامة، وشريكًا حقيقيًا في بناء القيمة المضافة. وهذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل من إدراكٍ عميقٍ لدى القيادة الهاشمية بأنّ الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأعلى عائدًا.

لقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله ، في مختلف محطاته الوطنية أنّ كرامة العامل جزءٌ لا يتجزأ من كرامة الدولة، وأنّ تمكينه ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية. فجلالته يربطُ دائمًا بين الإصلاح الاقتصادي وتطوير سوق العمل، ويرى أنّ العدالة المهنية، وتحسين بيئة العمل، ورفع كفاءة الموارد البشرية، هي أعمدةٌ لا تقومُ التنمية بدونها. ومن هنا، جاءت التوجيهات الملكية المستمرة لتحديث منظومة التدريب المهني، وتعزيز ثقافة العمل، وفتح آفاقٍ جديدة أمام الشباب.

وفي السياق ذاته، يبرز دور سمو الأمير الملكي ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني ، الذي يمثّل نموذجًا معاصرًا في القرب من الميدان، والانخراط المباشر مع قضايا الشباب والعمل. فولي العهد لا يكتفي بالدعم المعنوي، بل يذهب نحو التمكين العملي، من خلال مبادراتٍ تُعزّز الابتكار، وتربط التعليم بسوق العمل، وتُعيد تعريف مفهوم الوظيفة في عصر الاقتصاد الرقمي. إنّه خطابٌ جديد، يقوم على تحويل التحديات إلى فرص، والعمل إلى مساحةٍ للإبداع لا مجرد وسيلةٍ للعيش.

وعند تحليل واقع العمل في الأردن، تتجلّى ثلاثة أبعادٍ رئيسة لا يمكن إغفالها:

البُعد الإنتاجي، حيث لم يعد العامل يُقاس بجهده البدني فقط، بل بقدرته على الابتكار والتكيّف مع التحولات التكنولوجية.

والبُعد الاجتماعي، حيث تُصبح العدالة المهنية شرطًا أساسيًا للاستقرار، بما يشمله ذلك من أجورٍ عادلة، وأمانٍ وظيفي، وبيئةٍ إنسانية تحفظ الكرامة.

ثم البُعد الاقتصادي، الذي يربط بين جودة العمل ونمو الاقتصاد، في معادلةٍ تُثبت أنّ أيّ خللٍ في سوق العمل ينعكس مباشرةً على مسار التنمية.

إنّ العامل الأردني، في مختلف مواقع الإنتاج، أثبت أنّه قادرٌ على تجاوز التحديات، وتحويل شحّ الموارد إلى فرصٍ للإنجاز. من المعلّم في صفّه، إلى الطبيب في ميدانه، إلى العامل في مصنعه، إلى الموظف في مؤسسته… جميعهم يشكّلون لوحةً وطنيةً متكاملة، عنوانها الإخلاص، ومضمونها الانتماء.

غير أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في الإشادة بدور العامل، بل في بناء سياساتٍ تُترجم هذا التقدير إلى واقعٍ ملموس. فالعالم يتغيّر بسرعة، وسوق العمل لم يعد يحتمل الجمود، ما يستدعي تحديثًا مستمرًا في التشريعات، وتطويرًا حقيقيًا في منظومات التعليم والتدريب، وربطًا فعّالًا بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.

في يوم العمّال، لا نُعيدُ إنتاج الكلمات، بل نُعيدُ ترتيب المعاني؛ نُدرك أنّ الوطن الذي يضع العامل في مركز اهتمامه، هو وطنٌ يسير بثقةٍ نحو المستقبل. وأنّ القيادة التي تراهن على الإنسان، إنما تبني دولةً لا تهتزّ أمام التحديات.

وفي الأردن، حيث تلتقي الإرادة السياسية مع وعي الإنسان، يصبح العمل رسالةً، ويغدو العامل قيمةً عليا… لا تُقاس بما يُنجز فقط، بل بما يُمثّله من كرامة وطن.