الصدفة فلسفة تكشف عبثية الوجود


 

*tمنال العبادي أديبة وناقدة ، من مواليد عمان تعمل في مجال التدريس، ومن اصدراتها مجموعة نصوص نثرية، وكتبت العديد من المقالات النقدية٠
تؤمن أن النقد في جوهره العميق، وليس ترفًا نخبويًا يتعالى على المتلقي، ولا امتيازًا معرفيًا مغلقًا يتقوقع داخل حدود النخبة٠ 
نصها النثري مهموم عن الكشف للعلاقات الانسانية، التي تبرهن أن الوعي للذات هو إدراك للمعرفة البشرية، والتفكير التخيلي الذي سينتج الثقافة والآداب والفنون٠

*حاورها  سليم النجار

١- ما هي الرواية بمفهومك الخاص؟
الرواية جنس سردي واسع ومفتوح، تعتمل فيه الحياة بتفاصيلها الزمنية والنفسية. هي فضاء تتسع له التناقضات ومساحة مطاطية لحشو الأحداث اليومية فيها ، وتتشكل فيه الشخصيات عبر تراكم الأحداث، ليست حكاية فقط، بل تأويل للوجود.

أما الرواية، في عمقها الأنطولوجي، ليست حكاية ولا تاريخًا مزركشا بل هي كينونة لغوية تعيش على حافة الانهيار والتشكّل معا فعلى سبيل المثال في روايتي الأولى  «ناي تعزف ألمًا»، حاولتُ أن أجعل الرواية أشبه بـ"فعل تكويني" لا "وعاء حكائي". 
بالرغم أنني كنت أسقط وأقف حتى وصلت للمس المفهوم كاملا بشكل حقيقي ومجسد يسمى رواية. 
كما أن الرواية الحقيقية هي التي تملك قدرة على أسر القارئ في شبكة من الأسئلة لا الإجابات، إنها المكان الوحيد الذي يُسمَح فيه للمتناقضات بالعيش معًا، الزمن الخطي والزمن الحلزوني، الصوت الواحد والأصوات المتعددة، الحضور والغياب. 
لذلك أقول: الرواية ليست ما يُروى، بل ما يظل غير قابل للرواية داخل السرد نفسه.


٢- هل تؤمنين بالصدفة داخل السرد الروائي؟
لا وجود للصدفة الخالصة في الرواية، ما يبدو صدفة هو لعبة الكاتب المتمكن، الذي يوهمنا بالعفوية ليخفي حبكة محكمة. الصدفة أداة سردية، لكنها تُحضَّر بوعي لكسر التوقع أو خلق المفارقة.
كما في وفاة (ميرسو) في الغريب لكامو
الروائي العارف لا يؤمن بالصدفة كما لا يؤمن المؤمن بالمعجزة الرخيصة. الصدفة في النص إما أن تكون غطاءً لضعف البناء، أو قمة الوعي الفني. 
حين أقرأ رواية تشتغل على الصدفة بتقنية، أتذكّر فلسفة (بول ريكور) التأويلية: "الصدفة في الحبكة هي تحويل اللامتوقع إلى ضروري". لذلك، أؤمن بـ"الصدفة المُعدّة" تلك التي تخدع القارئ لوهلة ثم تنكشف في النهاية كضرورة دراماتورجية محكمة. في كتابي «مرايا نقدية»، حللتُ كيف يستخدم كُتاب مثل جلال برجس، هاشم غرايبة  الصدفة كآلة فلسفية لكشف عبثية الوجود، لا كهروب من السببية السردية.


٣- هل العبقرية مفهوم ملتبس؟
نعم، فهي مثل السراب، ننسبها لمن يسبقون زمانهم، لكنها في جوهرها قدرة استثنائية على رؤية ما لا يراه الآخرون، وصوغه بطريقة تصبح بديهية بعد حين. فهي ليست موهبة فقط، بل إصرار على تجاوز الأطر.

العبقرية ليست موهبة مطلقة، بل هي ذلك "الخطأ الخصب" الذي يحوّله المبدع إلى نظام جمالي جديد، التباسها يأتي من كونها توليفة فريدة بين الوعي الفائق واللاوعي المتفجر، فالعبقرية ملتبسة لأنها لا تخضع لمعايير قابلة للتعليم فمثلا يمكنك تحليل نصوص عبقري، لكنك لا تستطيع استنساخ شروطه الذهنية، لهذا انتقل النقد من البحث عن "عبقرية" النص إلى البحث عن "فردانيته" و"حضوره الفريد"، ونستشهد 
بما يرى ( هاريس ) حيث أن رؤيته مبنية على  أن العقول البصيرة المتوقدة هي العقول العبقرية ومنشأ هذه العبقرية  يرجع إلى سرعة الانتقال في العمليات العقلية.


٤- هل لابد من تشابه بين البداية والنهاية في النص السردي؟

هذه المقولة تحتاج إلى مراجعة، البداية والنهاية في العمل السردي الكبير قد تكونان متقابلتين أو متوازيتين، لكن ليس شرطاً التشابه الحرفي، الأهم هو أن تشكلا قوساً دلالياً، كأن تعود النهاية إلى سؤال البداية لكن بإجابة مختلفة فالتماثل التام يقتل التطور.
ردد  بعض النقاد العرب هذه المقولة وخاصة  المتأثرين بالبلاغة القديمة (مثل نظرية "حسن التخلص" و"رد العجز على الصدر")، تحتاج إلى تفكيك جذري. التشابه المقبول هو "التشابه الجدلي" حيث تعود النهاية سائلةً ما افترضته البداية، في رواياتي، لا أحب البدايات التي تنبئ بنهاياتها؛ بل أحب تلك التي تضع القارئ في بؤرة التوتر من بداية النص إلى نهايته ولاضير أن تكون الحبكة دائرية، والنهاية الجيدة هي "انفجار صامت" لألغام بدأت تزرعها الصفحة الأولى حيث أن  التشابه الحرفي يقتل خاصية الترقب، ويحوّل النص إلى حلقة مفرغة. ما نحتاجه هو "تذكّر" لا "تكرار". ولهذا أميل إلى نهايات مفتوحة تشبه بداياتها في الحيرة لا في الشكل.
واعتقد أن نجاح الرواية في مقدمتها التي لا تتجاوز أسطر قليلة وتلك النهاية الغير متوقعة من قبل القارىء.

٥- كيف تعلقين على القصة القصيرة جدًا؟
جنس شرس وجميل. تكثيف يبلغ حد الإيهام، ولحظة مفاجئة(قفلة مدهشة) تظل ترن في الذهن، لكنها قد تقع في فخ "الحكمة" المباشرة أو اللغز السهل. نجاحها يكمن في جعل المسكوت عنه أثقل من الملفوظ.
القصة القصيرة جدًا (ققج) جنس أدبي عنيد، يجلس على حدود الشعر والحكاية والومضة الفلسفية، أصفق لمن يكتبها حين ينجح في تكثيف التجربة الإنسانية في "لحظة غضبٍ واحدة" واختزالها وخلق مفارقة دون أن يقع في التقريرية أو الوعظ. لكنني أخشى عليها من ثلاث آفات، الأولى، سرعة الاستهلاك التي تجعلها أحيانًا "سوشال ميديا أدبية" لا أكثر، الثانية الميل إلى القفشات النهائية السهلة،الثالثة الادعاء بأنها يمكن أن تحل محل الأجناس الأدبية الأخرى. 
فهي قناصة ماهرة، لكنها لا تغني عن الرواية التي هي معركة طويلة في النصوص الناجحة، كما في قصص لـ"إيتالو كالفينو" أو "لويس بورخيس"، تجد الاندهاش يكمش ذهنك كقبضة لن تنفرج أبدًا.


٦- من كتابتك النقدية، من هي الرواية التي شكل الحب في الشخصية الرئيسة فيها مكونًا أساسيًا؟
أذكر مثلاً "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم ، حيث حب محسن لسوزي ليس عاطفة فرعية، بل أداة لكشف صراع الشرق والغرب والهوية المهزوزة. كذلك "ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور، حيث الحب مقاومة وجود لكن يقتله الجهل حيث وقع سعد (المقاتل) بحب سليمة (المرأة المثقفة) .
إلى جانب ما ذكرته سابقًا، أتوقف عند رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ، هنا الحب لا يتشكل كعاطفة رومانسية، بل كـ"وسواس وجودي" يحرك سعيد مهران نحو الانتقام والخيانة والحنين، حبه لنبوية ليس هو الحب، بل رغبته في العودة إلى ما قبل السقوط، حيث الحب هناك مادة خام مؤلمة، يتشكل منها جسد الشخصية وهيئتها الحادة على الحياة، الحب في هذه الأعمال ليس إضافة سردية، بل هو محرّك التكوين الأنطولوجي للشخصية، بمعنى أن الشخصية تصبح هي ذات الحب ولا تحكيه.


٧- أيهما تملك قدرة فنية أكثر: الرواية أم القصة القصيرة في خلق نماذج وصور ومعاناة الإنسان؟

الرواية تمنحك العمق والتطور، بينما القصة القصيرة تمنحك الشحنة والتكثيف،الرواية كالنهر، والقصة كالقبضة. كلاهما ينجز فنه لكن بطريقة مختلفة. لا أفضّل واحدة على أخرى، فهما جنسان متكاملان.
مع اني أعتقد أن هذا السؤال يقحم الأجناس في سباق زائف، كمن يسأل: أيهما أعظم في الرسم، الفحم أم الألوان المائية؟ فأنا أرى لكل جنس "فاعليته الخاصة". القصة القصيرة تملك قدرة فائقة على "تكثيف المعاناة في لحظة وجودية واحدة"،   أما الرواية فتملك "فعل التمدد الزمني" الذي يسمح برؤية معاناة الإنسان عبر التحولات والانهيارات والنهوض(فالرواية هي حياة بكل تفاصيلها) . تنجزها القصة القصيرة في ومضة عن الحنين إلى رائحة خبز الأم، لكن الرواوية تحفر الحنين في طبقات زمنية، الطفولة، المراهقة، الشيخوخة، والموت. كلاهما مكمل، ولولا القصة القصيرة لفقدت الرواية نبضها، ولولا الرواية لفقدت القصة القصيرة خلفيتها الدرامية.


٨- أي قصة قصيرة وظفت الكائنات غير البشرية (الطبيعة والمخلوقات) كمكون هام؟
على سبيل المثال، قصص زكريا تامر في "النمور في اليوم العاشر" وظف الحيوان كقناع ناقد للسلطة والمجتمع.

كذلك قصص "كليلة ودمنة" في صورتها الأصلية، وإن كانت أقدم، لكنها نموذج حي.

وفي رأيي الشخصي بأن هكذا نصوص  تنتج في النص سحرًا أنثروبولوجيًا حيث نرى العالم بعيون غير بشرية، فينكشف لنا بؤس الأفق البشري المحدود.


*٩- حدثينا عن أول إصدار لك: «ناي تعزف ألمًا»
صدرت الرواية عام ٢٠٢٥ في طبعة محدودة عن دار الخليج للنشر، وكانت بمثابة "معمار سري" لشابة تكتب لأول مرة لكنها تحمل داخلها تاريخًا من القراءات المختنقة. 
تدور الرواية حول فارس الذي يعثر بالصدفة على أوراق مبعثرة في درج مكتبه، مكتوب عليها تاريخ مستقبلي (2027) وإهداء غامض له، فيبدأ بقراءة حكاية سارة، امرأة تعاني من فقدان حبيبها  بعد حب عميق مزقه المرض والموت. تتعمق الرواية في رحلة سارة النفسية المعذبة مع الاكتئاب، وصراعها مع عائلتها التي تنكر مرضها النفسي، وجلساتها مع الطبيب النفسي . يتداخل السرد بين الواقع والخيال(ميتاسرد) ، حيث يكتشف فارس أن بطلته سارة تعيش في الواقع كأرملة فقيرة، ويطرح أسئلة وجودية عميقة عن حدود الإبداع، والعلاقة بين الكاتب وشخصياته، وعن النساء اللواتي تعانين من مجتمع ذكوري قاسٍ، لتنتهي الرواية بتداخل غامض(حبكة دائرية)بين كاتب وخياله .

١٠- ماذا تعني لك كلمة "نص"؟
النص عندي ليس وعاء للحكاية، بل كائن حي يتنفس التأويل، هو نسيج من الأصوات والإيقاعات والمسكوت عنه، النص الحقيقي هو ما يتجاوز نية كاتبه، ليعيش في قراءاته المتجددة. هو رهان على الحرية.. 
والنص ماهو الا بداية لمساحات فارغة يؤثثها القارىء ليكون شريكا فيه وهنا تكمن (عبقرية النص). 
النص في تصوري النقدي، هو "مصفوفة إيحائية حية تتنفس بالتأويل" فهوليس النص مجموعة كلمات مرتبة على الصفحة، بل حدث قاريء يتجدد كل مرة يخترقه قارئ جديد. إنه – باختصار –"جسد لغوي" يحمل شيفرته الجينية في طاقته على إنتاج الدلالة لا في الدلالة الجاهزة. الفرق بين "نص ميت" و"نص حي" أن الأول يفرض معانيه، والثاني يدعوك لاصطيادها. 
جاك دريدا قال في النص بأنه  كـ"نسيج يترك خيوطه بارزة ليدرك القارئ أنه أمام صنعة، لا أمام واقع طبيعي". لكنني أضيف من تجربتي بأن  النص عندي هو مساحة ممكنة لأن تكون "أكثر من مرآة"، لأن تكون "امتدادًا للروح في مادة اللغة". حين أكتب، أشعر أنني لا أنشئ نصًا، بل أفتح بابًا لمن يسكنه، النص إذًا ليس ما يُقرأ، بل ما يعيد قراءة قارئه.