حرية الصحافة في الأردن: الرقم ليس موسميّاً بل إنذار وطني
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة: أين يقف الأردن في حرية الصحافة؟ وهل نتعامل مع المؤشرات الدولية بوصفها أرقاماً عابرة، أم نقرأها باعتبارها مرآة تكشف مستوى الصحة السياسية والقانونية والإعلامية في الدولة؟
في مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026، جاء الأردن في المرتبة 142 من أصل 180 دولة، وهي مرتبة متأخرة لا يجوز التقليل من دلالتها. صحيح أن الأردن سجّل تحسناً محدوداً مقارنة بالعام السابق، إلا أن بقاءه في هذا الموقع المتأخر يعني أن البيئة الصحفية ما زالت تعاني من اختلالات جوهرية، وأن التحسن الرقمي لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى إصلاح ملموس في التشريعات والممارسة اليومية.
ويشير المؤشر إلى أن حرية الصحافة عالمياً وصلت إلى مستوى مقلق، مع تراجع واضح في البيئة القانونية في كثير من الدول نتيجة التوسع في استخدام قوانين الأمن الوطني والطوارئ والتشريعات المقيدة للعمل الصحفي. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت جزءاً من اتجاه عالمي تضيق فيه مساحة الصحافة المستقلة، وتتوسع فيه قدرة الحكومات والجهات النافذة على ضبط الرواية العامة والتحكم في تدفق المعلومات.
عربياً، جاءت موريتانيا في موقع متقدم نسبياً مقارنة ببقية الدول العربية، ثم قطر، ثم المغرب، بينما جاء ترتيب الأردن بعد دول مثل عُمان والكويت وتونس وليبيا وسوريا، وقبل الجزائر وفلسطين والسودان والعراق واليمن ومصر والبحرين والسعودية والإمارات وفق بيانات المؤشر. أما عالمياً، فقد حافظت الدول الإسكندنافية وعدد من الدول الأوروبية على مواقع متقدمة، حيث جاءت النرويج في المرتبة الأولى، تلتها هولندا وإستونيا والدنمارك والسويد. وهذا يؤكد مجدداً أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها الأمنية أو مشاريعها الكبرى، بل أيضاً بمدى احترامها للصحافة المستقلة وحق المجتمع في المعرفة.
إن المرتبة 142 ليست رقماً فنياً يخص الصحفيين وحدهم. إنها مؤشر على علاقة الدولة بالمعلومة، وعلى قدرة المواطن على الوصول إلى الحقيقة، وعلى استعداد المؤسسات العامة لتحمل النقد والمساءلة. فالصحافة ليست خصماً للدولة، بل هي إحدى أدوات حمايتها من سوء الإدارة، والفساد، والقرارات غير المدروسة، وتضخم الدعاية الرسمية على حساب التحليل المهني.
المشكلة الأردنية لا تبدو مرتبطة فقط بسلامة الصحفيين، بل بالبيئة الأوسع التي يعملون داخلها. فالمؤشر يقيس عدة أبعاد تشمل السياسي، والقانوني، والاقتصادي، والاجتماعي، والأمني. وفي الحالة الأردنية، يظهر أن أحد أهم مواضع الضعف يرتبط بالبيئة القانونية والسياسية والاقتصادية التي تحيط بالمهنة. فالصحفي قد لا يكون مهدداً أمنياً بشكل مباشر، لكنه قد يعمل تحت ضغط النص القانوني، أو الرقابة الذاتية، أو ضيق مساحة الوصول إلى المعلومات، أو هشاشة المؤسسات الإعلامية اقتصادياً.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. عندما تضيق مساحة الصحافة المهنية، لا يختفي الخطأ العام، بل ينتقل إلى الظل. وعندما يخاف الصحفي من السؤال، لا تصبح الدولة أقوى، بل تصبح أقل قدرة على رؤية مشكلاتها في الوقت المناسب. وعندما تتحول وسائل الإعلام إلى منصات ترويج فقط، يفقد المجتمع واحدة من أهم أدوات التوازن بين القرار والمصلحة العامة.
الأردن بحاجة إلى إعلام مهني قوي، لا إلى إعلام صامت. وبحاجة إلى صحفيين قادرين على السؤال والتحقق والتحليل، لا إلى بيئة تدفعهم إلى الاكتفاء بالتصريحات الرسمية أو تجنب الملفات الحساسة. كما أن مواجهة الأخبار الكاذبة والشائعات لا تكون بتقييد الصحافة الجادة، بل بتقويتها، وتمكينها من الوصول إلى المعلومات، وحماية استقلالها، ورفع كفاءة المؤسسات الإعلامية.
ومن هنا، فإن تحسين موقع الأردن في مؤشر حرية الصحافة لا يجب أن يكون هدفاً تجميلياً لتحسين الصورة الدولية، بل جزءاً من إصلاح وطني أعمق. المطلوب مراجعة التشريعات ذات العلاقة بالنشر والإعلام والجرائم الإلكترونية، وتوسيع حق الحصول على المعلومات، وتدريب الناطقين الرسميين في المؤسسات العامة على ثقافة الإفصاح لا ثقافة المنع، وتعزيز الاستقلال المالي والمهني للمؤسسات الإعلامية.
كما أن على الدولة أن تميز بوضوح بين الصحافة المهنية التي تكشف الخلل وتخدم المصلحة العامة، وبين خطاب التضليل والتحريض والشائعات. الخلط بين الاثنين خطأ كبير؛ لأن محاربة الأخبار الكاذبة لا تبرر إضعاف الصحافة الحقيقية، بل تجعل الحاجة إليها أكبر. الصحافة المهنية هي خط الدفاع الأول ضد الإشاعة، لأنها توفر المعلومة الموثوقة في الوقت المناسب، وتمنح المواطن بديلاً عن الروايات غير الدقيقة أو الموجهة.
إن حرية الصحافة ليست ترفاً سياسياً، وليست مطلباً نقابياً ضيقاً، وليست مناسبة احتفالية تُذكر مرة في السنة. إنها ركن من أركان الإدارة الرشيدة، وعنصر أساسي في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. والدولة التي تريد أن تتقدم اقتصادياً وإدارياً وسياسياً يجب أن تسمح لنفسها بأن تُراجع وتُسأل وتُنتقد.
الأردن يستطيع أن يكون أفضل من المرتبة 142. لكن ذلك لن يتحقق بالكلام العام عن الإصلاح، بل بخطوات واضحة: قانون أكثر عدالة، معلومات أكثر إتاحة، مؤسسات إعلامية أكثر استقلالاً، ومسؤولون أكثر استعداداً لقبول السؤال الصعب. فالمجتمع الذي لا يسمع الحقيقة في وقتها، يدفع ثمنها لاحقاً بصورة أكبر.