المرأة في القصيدة عبر العصور يُكتب عنها لغير لذاتها

 

*كتب دكتور حسين مناصرة القصة القصة القصيرة والرواية والتقد، خاض غمار الأبداع بأصنافة المختلفة، ويبقى السؤال أين وجد نفسه؟ في هذا الحوار يجيب ويحاور الكلمة والسؤال معًا٠

*حاوره سليم النجار ٠٠

حسين المناصرة
حوار – الأستاذ سليم النجار

• لايزال هناك خلاف بين النقاد حول قسمة اللغة الأدبية بين الذكور والأناث كيف تتحدث عن هذا الخلاف ؟ 
ما عرفناه في سياق المدارس الأدبية (الكلاسيكية، الرومانسية، الواقعية، الرمزية، السريالية...إلخ) يؤكد أن اللغة والرؤية معًا تشكلان القيم الجمالية والفكرية للكتابة، تمييزًا بين مدرسة وأخرى. وكل كاتب أو كاتبة يفترض أن تكون له خصوصيته الإبداعية مبنًى ومعنًى؛ التي لا تنفي – على سبيل المثال – أن يكون درويشيًا (محمود درويش) أو نزاريًا (نزار قباني) أو مطريًا (أحمد مطر) ... بصفتهم رموزًا في هذا المجال الكتابي. في هذا السياق الجمالي الرؤيوي المتعدد أصبح للمرأة كتابة خاصة بها؛ من منظور أنها أنثى تعيش في وضع اجتماعي (جسدي ونفسي) يختلف عن الوضع الذي يعيشه الذكر؛ إذ إنها دائمًا في المجتمع هي الأكثر تهميشًا، واضطهادًا، ووأدًا، وجلبًا للعار، وعدم المساواة في المطلق. في ضوء هذا التصور كان الخلاف بين النقاد خلافًا تنظيريًا وليس تطبيقيًا؛ لأن جميع النقاد عندما يقرؤون أو يقاربون كتابة الأنثى، خاصة الكتابة النسوية منها، يُقرّون أنها كتابة مختلفة لغة ورؤية عن كتابة الذكور؛ لهذا أصبح لكتابة الأنثى نظريات نقدية نسوية منذ ستينيات القرن الماضي في الغرب، ومنذ تسعينياته عربيًا.

•  ما هي إشكالية المرأة في كتابة الرواية؟ 
تعدُّ المرأةُ الروايةَ تحديدًا، دون بقية الأجناس الأدبية الأخرى، مملكتها أو عالمها، فتعيد من خلالها رؤيتها في إعادة كتابة ذاتها في سياقي علاقتها بالآخر وكل ما يحيط بها. فالرواية بنية سردية هجينة، أو جنسًا للأجناس الأدبية وغير الأدبية؛ إذ بإمكانها أن تتسع لتعدديات في اللغات والأصوات والرؤيات، بما يجعلها نصًا نسويًا مميزًا في كتابة المرأة؛ وبها يمكن طرح الوجود الأنثوي (نصف المجتمع) في مواجهة الهيمنة الذكورية (البطرياركية)، كون المجتمعات الأبوية ذكورية؛ تضطهد النساء، وتستلب وجودهن، وتلغي فعلهنّ، باعتبارهن "كبش فداء"؛ لذلك تكمن إشكالية الكتابة النسوية فكريًا في روايتها  بصفتها معادية للذكورة ومستلبة لها، بل فاضحة لهيمنتها، وفي الوقت نفسه قادرة على التعبير عن الظلم والاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات، التي يستعمر فيها الرجال النساء في المنظور النسوي.

•  هل صحيح أن هزيمة حزيران صنعت تاريخًا جديدًا في الرواية الفلسطينية؟ 
هزيمة حزيران 1967 تعدّ في الكتابة أعظم أثرًا من نكبة عام 1948، وفي تاريخ الرواية العربية عامة، والرواية الفلسطينية خاصة؛ لأن هذه الهزيمة تعدّ النكبة الحقيقية في المنظور الثقافي الروائي، كونها أولًا أسقطت فلسطين التاريخية كلها في كماشة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الإجرامي، وثانيًا أنها كسّرت الآمال والطموحات والرؤى الثقافية العربية التي كانت تتأسس على غسل عار نكبة 1948 في أية حرب عربية مع هذا الكيان الاحتلالي الاستيطاني بعد هذا التاريخ، وثالثًا أنها عمّقت عقدة الذات وجلدها، باعتبار هذه الهزيمة الحزيرانية صدمة كبرى لا يمكن تصورها في أن تكون على هذا النحو...؛ لذلك بدأ الفعل الروائي الفلسطيني الحقيقي بعد هزيمة حزيران، وخاصة في تاريخ  تطور الرواية النسائية الفلسطينية، الذي بدأ يؤكد أن أي مجتمع يحارب النساء ويهمشهن لا بدّ من أن يكون مصيره الهزيمة، كونه غيب نصفه، وتشرذم داخليًا بسبب هذا التغييب.

•  يُقال إن الأسطورة هي أيديولوجية الرجل في كتابة النص الابداعي؟ 
تعبير له دلالة إبداعية عميقة؛ لأن كتابة النص الإبداعي بحد ذاتها كتابة تخييلية أسطورية أو أسطرة للواقع، والبداية كانت في مقولة " شيطان الشعر" في العصر الجاهلي، إذ كان يعتقد أن لكل شاعر شيطان من الجن يلقنه أو يلهمه الشعر، مثل (هادر) قرين النابغة، و(مسحل) قرين الأعشى. ومنذ حداثة ستينيات القرن الماضي وحداثة ما بعدها كان لشعراء الحداثة وما بعدها دور واضح في تفعيل كثير من الأساطير الإغريقية والعربية في كتاباتهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السرد الذي تناول الواقع بأساليب تخييلية عجائبية أو أسطورية، بل إن الواقع نفسه في زمكانيات معينة غدا أكثر تخييلاً من الخيال أو أسطرة من الأسطورة، ومثال ذلك ما حدث لغزة بعد السابع من أكتوبر 2023، فكل الأساطير والخرافات والخيال العلمي تقف عاجزة تجاه ما حدث من دمار وموت وإبادة. أما الأسطورة نفسها فقد غدت قناعًا لكثير من التضمينات التي تُحمّل الواقع فضاءات متعددة من التأويل والتفسيرات غير النهائية، ما يجعل النص الإبداعي أكثر قربًا من استمرار الحياة والخلود!!

• كانت القصيدة في العصر الجاهلي تحتفي بالمرأة كجسد وغاب عن هذا الأبداع قضية المرأة الموءودة، هل مازالت هذه الرؤية في القصيدة العربية الحديثة؟
سواء أكانت المرأة في القصيدة الجاهلية أم في القصيدة الحديثة، فهي دائمًا تكون لغير ذاتها؛ فهي إما معشوقة في صورة جسدية جميلة، وإما تعدّ رمزًا مفرغًا من ذاتية المرأة بصفتها أرضًا أو وطنًا أو كبش فداء. ولعل السبب في ذلك أن الإبداع في الشعر كان ذكوريًا (أو فحوليًا)، وقد غيب إبداع المرأة، باستثناء أسماء معدودة بدءًا من الخنساء وانتهاء بشاعرات تحررن من ثقافة العيب في كتابة الشعر منذ ثمانينيات القرن الماضي تقريبًا. لم تكن المرأة قضية وأد في القصيدة العربية، وإن كان الوأد له وجوه كثيرة في القصيدة الحديثة، لكنه ليس وأد المرأة، أو تعطيلها بصفتها نصف المجتمع إن لم تكن أكثر من نصفه. تعد مجازية "الدفن حية" للأنثى تخوفًا من العار الذي ينتج عن المرأة في التداول الذكوري قيمة ثابتة قديمًا وحديثًا في الواقع الاجتماعي المتخلف، الذي يؤمن بأن المرأة من "الزوج إلى القوز (الرمل)"؛ لذلك يمكن الحديث عن هذه الثقافة الوأدية في الكتابة الشعرية النسوية، وليس في الكتابة الشعرية الذكورية التي استمرت في التغني بجسد المرأة ورمزيتها على حساب ذاتها الإنسانية.

• هل تعتقد أن الحركة النسوية تخص المرأة وحدها؟ 
لا أعتقد ذلك في عموم التصورات والرؤيات النسوية، وذلك باعتبار أن النسوية بصفتها أيدولوجيا تنظر إلى المرأة في أطرها المتعددة: الجنسية، والعاطفية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، وبخاصة في مواجهة التابوهات المتعددة: الجنس، والدين، والسياسة، والتقاليد والأعراف. قضايا المرأة هي قضايا مجتمع وحياة معيشية، ولا يوجد أي انطواء لدى الحراك النسوي عامة؛ لأن الكاتبة إن تحدثت عن مشكلات المرأة في الأسرة والمجتمع والعمل والسياسة، فلا بد من أنها تتناول قضايا مصيرية في المجتمع؛ فالمجتمع الذي يضطهد المرأة هو مجتمع غير سوي ولا أخلاقي؛ لأن المساواة بين الجنسين ذكورًا وإناثًا قيمة حضارية وإنسانية عليا، تعني التجاوز للتابوهات التي شكلها هذا المجتمع الذكوري في كل مفاصل الحياة، وجعل نساءه الضحية أو كبش الفداء؛ لذلك تبقى تابوهات الجنس والدين والسياسة والتقاليد والأعراف قيودًا تكبل المجتمع البطرياركي، ومن ثم تسقط  من حساباته أي خيارات نحو التحضر والتطور؛ ليبقى هذا المجتمع رهين تغول التشرذم والإنهزامية!!

•  كتبت الراوية؛ لماذا اخترت لإحدى روايتك عنوان" خندق المصير"؟ 
نشرت خمس روايات: بوابة خربة بني دار (1997)، وداريا أو الحوت ينام في جوف الريموت (1999)، وخندق المصير (2002)، والعصافير لا تغرد وراء القضبان (2024)، وطواحين السوس (2025). ولعل رواية " خندق المصير" تعد أهم رواية كتبتها -في تصوري- من منظور أنها تتناول الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987(انتفاضة أطفال الحجارة)، التي كانت في بدايتها (1987- 1988) إيجابية وقوية ومؤثرة وطنيًا وعربيًا ودوليًا، لكنها ما بين 1989 و 1993، كانت سلبية، ولم تجلب لشعبنا إلا كثيرًا من المآسي التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني،  والتشرذم الفصائلي الذي فكك المجتمع الفلسطيني، وخاصة ما بين الاتجاهين الوطني والديني المسيس، وكأن الشعب الفلسطيني أضحى بحسب التعبير الشعبي في داخله متشظيًا، على طريقة المثلين الشعبين الدارجين (طاسة وضاية) و(بين حانا ومانا ضاعت لحانا)، اللذين يشكلان مركزية الصراع الداخلي الفلسطيني؛ فكان العنوان دعوة إلى العودة إلى ( خندق المصير) بصفته الوحدة الوطنية غير القابلة للتشظي والكسر في مواجهة أشرس وأبشع عدو صهيوني استيطاني محتل في التاريخ الفلسطيني، الذي تعرض لأكثر من عشرين احتلالاً منذ أجدادنا الكنعانيين قبل ستة آلاف عام إلى اليوم.

•  مجموعتك القصصية " لقاء في الفوج الأخير"، وتحديدًا في قصة "عشتار وهواجس الحلم" الصحراء البطل الرئيس لها لماذا؟ 
نشرت هذه المجموعة القصصية في عام 1995، وحينها كنت أعمل منذ سبع سنين في دولة عربية صحراوية؛ حيث الصحراء تهيمن على الحياة كلها في المنطقة الصحراوية التي عشت بها تحديدًا، فالحر الشديد، خاصة عندما يثور الغبار (الطوز)؛ لتصبح الأرض والسماء صحراء قاحلة بلون رمالها الصفراء. وهنا تصبح حاجة الإنسان في أحلامه وأمانيه إلى مجازية أن تنقذ (عشتار) الرمز الأسطوري للعشق والجمال والخصب هذا المكان الصحراوي، وذلك بإنقاذ أحلام الإنسان وأمانيه التي لم تكن أكثر من هواجس ضحلة أما الطبيعة المتوحشة، فتحاول أن تنتصر على هذه الصحراء المسكونة بغياب الحياة العاطفية والمطر؛ لذلك حظيت الصحراء  في المجموعة  بهذا الدور من البطولة الرئيسة.

• كتبت القصة القصيرة والرواية والمسرح والنقد أين تجد نفسك؟
أنا كاتب قبل أن أكون ناقدًا، ثم كتبت القصة والرواية والمسرحية، وهذا جانب إبداعي وليس مهنة؛ هذا الجانب اختارني فعبرت عن ذاتي ومنظوراتي بلغة أدبية فرضت نفسها في أن تكون قصة قصيرة أو قصة قصيرة جدًا، أو رواية، أو رواية قصيرة، أو مسرحية... أما النقد فهو مهنة واختصاص وتجربة تعلم مستمرة يوميًا؛ لذلك أجد نفسي في النقد تحديدًا؛ لأنني منذ أن كنت طالبًا جامعيًا إلى أن صرت أكاديميًا وأنا أحب هذه المهنة المبدعة في كثير من جوانبها. وبذلك لم أجد نفسي في الكتابة الإبداعية ولم أحترفها؛ ومن النادر جدًا أن أشارك في فعاليات بصفتي مبدعًا؛ وكل مشاركاتي ناقدًا، ومختصًا في النظريات النقدية النسوية خاصة.