مادورو في مرمى الهيمنة: حين تُختطف السيادة وتُغتال العدالة باسم القانون
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
لسنا أمام حادثة عابرة، ولا أمام خلاف سياسي تقليدي، بل أمام لحظة كاشفة تُعرّي النظام الدولي وتفضح زيف شعاراته.
فما أُعلن عن ملاحقة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، وقام باختطافه لتقديمه للمحاكمة خارج أي تفويض دولي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه انقلابًا خطيرًا على مبدأ السيادة الوطنية، وتأسيسًا لمرحلة جديدة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق القانون.
حتى لو افترضنا – جدلًا – وجود اتهامات، فإن العدالة لا تُطبَّق عبر الاعتداء، ولا تُنفَّذ عبر التدخل العسكري، ولا تُفرض بالخطف أو الإكراه. فالقانون الدولي، كما نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، واضح لا لبس فيه: يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. وأي إجراء خارج هذا الإطار يُعد عملاً عدوانيًا، مهما حاولت القوة المعتدية تغليفه بلغة “القانون”.
إن ما يعنيه هذا السلوك – إن تم أو أُريد له أن يتم – هو أن رئيس دولة ذات سيادة، معترف بها دوليًا، يمكن أن يتحول إلى “هدف مشروع” فقط لأنه يعارض السياسات الأميركية، أو يرفض الانصياع لإملاءات الهيمنة. وهذا يطرح سؤالًا وجوديًا على العالم كله:
هل ما زلنا دولًا مستقلة؟ أم تحوّلنا إلى ولايات سياسية خاضعة لمزاج القوة العظمى؟
الأخطر من الفعل نفسه هو السابقة التي يؤسس لها. فإذا جاز اليوم تجاوز السيادة الفنزويلية، فمن يضمن ألا يتكرر ذلك غدًا مع أي دولة أو أي زعيم؟
وأين تقف حدود “الشرعية” عندما تُفسَّر من طرف واحد؟ هنا لا نكون أمام عدالة، بل أمام بلطجة دولية مقنّعة.
وتبلغ هذه الفضيحة ذروتها حين نقارن هذا السلوك بالموقف الأميركي من المحكمة الجنائية الدولية.
فحين أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين متهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، انقلب الخطاب الأميركي رأسًا على عقب: المحكمة مسيّسة، غير شرعية، وغير ملزمة. بل وصل الأمر إلى تهديد قضاتها وفرض عقوبات عليهم.
أما حين يُراد استخدام “القانون” ضد خصم سياسي، يصبح فجأة مقدسًا، وتُرفع راية العدالة.
هنا تتجلى ازدواجية المعايير بأبشع صورها. إسرائيل، الدولة التي تمارس الاحتلال والقتل الجماعي والحصار والتدمير، تُمنح حصانة مطلقة لأنها حليف استراتيجي. وفنزويلا، التي وقفت مع قضايا الشعوب، وساندت فلسطين وغزة، ورفضت الخضوع، تُحوَّل إلى دولة مارقة، ويُشرعن التدخل في شؤونها. هذه ليست عدالة، بل سياسة انتقام.
قانونيًا، لا تملك الولايات المتحدة أي ولاية قضائية عالمية تخولها ملاحقة رؤساء دول ذات سيادة خارج أراضيها. وسياسيًا، فإن تجاهل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية يعني إعلانًا صريحًا بأن النظام الدولي لم يعد مرجعية، بل واجهة.
أما أخلاقيًا، فإن حماية مجرمي الحرب وشيطنة الخصوم تُسقط أي ادعاء بالقيم.
إن صمت المجتمع الدولي، أو تردده، أو اكتفاءه بالمراقبة، لا يقل خطورة عن الفعل نفسه. فحين يُترك هذا النهج دون ردّ حقيقي، فإن العالم ينزلق من نظام دولي مختلّ إلى فوضى مقننة، تُمارَس فيها شريعة الغاب باسم القانون، وتُختطف فيها العدالة على أيدي الأقوياء.
قد تعتقد واشنطن أن هذه الغطرسة ستدوم، لكن التاريخ يقول غير ذلك.
فالإمبراطوريات لا تسقط حين تُواجَه، بل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية وتتوهم أنها فوق العالم وفوق القانون. وما يجري اليوم ليس نهاية، لكنه بلا شك بداية تصدّع.
القضية ليست مادورو وحده، بل كرامة الدول، ومستقبل السيادة، ومعنى العدالة الدولية. وإذا لم يُكسر هذا المسار الآن، فإن كل زعيم مستقل، وكل دولة ترفض الانحناء، ستكون على اللائحة. وحينها، لن يكون السؤال من التالي، بل: من بقي ؟