حين يُخدَّر الوعي بإسم التقدّم — قراءة تحذيرية في هندسة الإنسان المعاصر
الدكتور المعايطة
نحن لا نعيش أزمة وقت ولا أزمة وسائل، بل نعيش أزمة وعي مُخدَّر. جيلٌ يُساق إلى الذبح وهو يبتسم، يُسرق عمره وهو يظنّ نفسه مستمتعاً، وتُشلّ إرادته وهو يضغط زر الإعجاب. لسنا مدمنين لأننا ضعفاء فحسب، بل لأن هناك من درس ضعفنا بعناية، وحفظ خرائط عقولنا، ثم صمّم قيوداً دقيقة على مقاس أدمغتنا.
ما يجري ليس تطوراً عفوياً ولا خطأً عابراً، بل إدارة مُحكمة للانتباه والسلوك. في قلب هذه المنظومة يقف وادي سيليكون Silicon Valley في كاليفورنيا، القلب النابض للتكنولوجيا في العالم. خرجت منه تطبيقات غيّرت حياتنا بالفعل، لكن خرجت معه أيضاً أدوات لتخدير الوعي. ففي هذا الفضاء لا يعمل المبرمج وحده؛ بل يجاوره علماء نفس وأعصاب واجتماع وإعلام وفلاسفة وخبراء تلاعب سلوكي، ضمن منظومة متكاملة لإعادة تشكيل القرار الإنساني.
تُستغل علوم الأعصاب لفهم آليات الدوبامين، ويُصمَّم محتوى سريع ومجزّأ يعيد برمجة الدماغ على الإيقاع العاجل، فتتآكل قدرتنا على التأمل والتركيز والتفكير العميق. ندخل دقائق ونخرج بعد ساعة، وقد سُرق العمر دون أن نشعر؛ خرابٌ عصبي بطيء لا يعلن عن نفسه، لكنه يترك أثره في كل فكرة مبتورة وكل صبر مفقود.
وعلى المستوى الاجتماعي، يُسخَّر علم الاجتماع لتفكيك المجتمع والأسرة. تحوّلت البيوت إلى أماكن صامتة: لا حوار، لا تربية، لا دفء. هذا ليس تقدّماً، بل تفككاً منظّماً. ويأتي الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، السلاح الأخطر، ليعرف مخاوفنا ورغباتنا ونقاط ضعفنا، ويدفع إلينا محتوى مُفصّلاً يُبقينا أسرى الإدمان لا أصحاب اختيار. في كثير من الأحيان، نحن لا نختار… بل يُختار لنا.
النتيجة واضحة أمام أعيننا: شباب مشتّتون، تركيز ضعيف، فراغ روحي قاتل، وعي غائب، وقيم تتآكل بصمت. إن التنبيه هنا ضرورة أخلاقية قبل أن يكون موقفاً فكرياً؛ فلننتبه قبل أن نستيقظ يوماً لنكتشف أن عقولنا لم تعد لنا، وأن أعمارنا ضاعت، وأننا كنا أدوات في لعبة أكبر منا.
ويؤكد في رسالته الأخيرة: "الانتباه لم يعد خياراً... بل ضرورة وجودية للبقاء."
نحن مستهدفون في وعينا، وأطفالنا و في بيوتنا، ومستقبلنا في عقولنا هذا ليس ترفاً فكرياً، بل مسؤولية أخلاقية ملحّة..
بقلم: الدكتور محمد علي المعايطه
استشاري جراحة الوجه و الفكين
جامعة بترا