من حقّنا أن ننتقد… لا أن نُصفّق
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
من دون مقدمات:
من حق أيّ مواطن، بل من واجبه، أن ينتقد أداء أي وزير. فكيف إذا كان هذا الوزير قد وصل إلى موقعه من خلال حزبٍ يفترض أنه يمثل الناس، ويعبّر عن همومهم وآمالهم، ويقيم العدل بينهم؟
المواطنن العمل لا يمارس ترف النقد، ولا يبحث عن خصومة شخصية، ولا يغتال شخصيات. نحن نطالب بحقٍّ أصيل لا يمكن مصادرته: حق المساءلة السياسية.
فانتقاد أداء أي وزير ليس تشهيرًا، وليس إساءة، وليس خروجًا عن الأخلاق أو القانون.
عندما نجد الوزير يعين المقربين منه وبمواقع مختلفه وبمؤسسات سياديه في الدوله دون وجه حق ، اذآ من حق المواطن ان ينتقد عندما لا يستطيع تعين ابن له من بين 6 او 9 من ابناءه العاطلين عن العمل بأبسط الوظائف ليعيل اسرة لا تملك ثمن رغيف الخبز ليسد رمقهم من شدة الجوع والفقر .
وكما أن من حق الوزير أن ينتقد أسلوب أي مواطن إذا وُجد تجاوزا أو عدم احترام،
فلا يجوز في المقابل تحويل النقد إلى تهمة، ولا تحميل المواطن ذنبًا لأنه قال بوضوح: هنا خطأ.
ومن المهم التأكيد أن نقد أداء الوزير أو صاحب المنصب ليس هجومًا على العشائر، ولا مساسًا بالنسيج الاجتماعي.
الأردنيون جميعًا أبناء عشائر، ولا يوجد بيننا من هو مقطوع من شجرة.
لكن تحويل أي نقد سياسي إلى اتهام عشائري هو مفهوم خاطئ، يُراد به الدفاع عن الأخطاء، والهروب من مواجهة الخلل الحقيقي في الأداء العام.
كل الوزراء، دون استثناء، معرّضون للنقد. وكل مسؤول معرّض للنقد سوأ في القطاع العام او القطاع الخاص
وانتقاد أداء وزير التربيه مثلا او وزير العمل - ، أو وزير النقل، أو أي وزير آخر على سبيل المثال ، ان كان عنده تجاوزات في صلاحياته او نفوذه — ليس استهدافًا لشخصه، بل تقييم لسياسات وممارسات تمسّ حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم.
فبعد انتهاء الانتخابات النيابية الأخيرة، لوحظ أن وزيرا لم يعد يردّ على اتصالات زملائه في الأحزاب ، وكأنّ الوصول إلى المنصب كان نهاية العلاقة لا بدايتها. ثم، وبعد تسلّمه الوزارة، أصبح التواصل معه شبه مستحيل، لا مع الأحزاب ولا حتى مع كثير من المواطنين، رغم أنه وصل إلى قبة البرلمان عبر الأحزاب، وعبر الشعب الذي منحه ثقته أكثر من مرة.
وهنا يُطرح السؤال المشروع، والمؤلم في آنٍ واحد:
هل هذه هي تجربة وزراء الأحزاب التي وُعِد بها الشارع؟
نقولها بوضوح ومن دون مواربة:
إن كثيرًا من الوزراء غير الحزبيين (المستقلين) أظهروا تواضعًا في التعامل، وحضورًا إنسانيًا، وأداءً عمليًا إيجابيًا، يفوق — وبمراحل — أداء بعض وزراء الأحزاب.
وهذا ليس طعنًا بشخص الوزير، ولا بالأحزاب كمبدأ، بل صدمة من تجربة لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات ولا الوعود.
المواطن لا ينتقد شخص الوزير، ولا يُشكّك في نواياه، ولا يبحث عن إسقاط أو تصفية حسابات.
المواطن ينتقد الأداء فقط.
ننتقد:
• أسلوب الإدارة
• سياسة التعامل مع الأحزاب والمواطنين
• التحيّز للمحسوبية والجهوية
• غياب العدالة في فرص العمل
وهذا حقٌّ مكفول، لا فضل فيه لأحد على أحد.
وكما ننتقد الوزراء، فمن حقنا — وبالقدر نفسه — أن ننتقد أداء النواب، وأن نسمّي الخلل كما هو، بلا مجاملة ولا تزييف، لأن الخدمات العامة ليست منّة، بل واجب، وخدمة وطن، وأمانة.
الأثر الإنساني… حين يصبح الانتظار كسرًا بطيئًا
القضية ليست أرقام بطالة، ولا بيانات رسمية، ولا تصريحات إعلامية.
القضية إنسان.
إنسان ينتظر منذ سنوات، يطرق الأبواب واحدًا تلو الآخر، ثم يعود في كل مرة بخيبة جديدة. يبدأ حياته المهنية بالأمل، ثم يشيخ قبل أوانه وهو يحمل ملف طلبٍ لم يُفتح.
هناك من استيقظ لسنوات على أمل اتصال لم يأتِ، ومن نام وهو يقنع نفسه أن الغد سيكون أعدل. يكبر العمر، وتضيق الفرص، وتُغلق الأبواب لا لضعفٍ في الكفاءة، بل لغياب الواسطة.
هذا الإنسان لا يطلب امتيازًا، بل فرصة.
لا يبحث عن منصب، بل عن كرامة عمل تحفظ له احترامه أمام أسرته، وأمام نفسه.
الوجع الحقيقي يبدأ حين يُرفض الطلب مرة، ثم مرتين، ثم عشرات المرات، دون سبب مفهوم.
حين يتحول السؤال من: متى أتوظف؟
إلى: هل فات الأوان؟
وحين يُقال له بصمتٍ قاسٍ:
“كبرتَ بالعمر… لم تعد ضمن الشروط”.
عندها لا يُقصى من وظيفة فقط، بل يُقصى من الحلم.
ويُحكم عليه بما يشبه الموت الوظيفي القسري، وهو ما يزال قادرًا، راغبًا، ومستعدًا للعطاء.
الأثر الإنساني للمحسوبية لا يُرى في المكاتب، بل في البيوت:
في أبٍ يشعر بالعجز أمام أطفاله،
وفي أمٍّ تكتم قلقها كي لا تزيد وجع ابنها،
وفي شابٍ بدأ يشكّ في نفسه، لا لأنه فشل، بل لأن الواسطة أقنعته أنه غير مرئي.
وحين يرى هذا الإنسان التعيينات تمرّ أمامه، ويعرف — انها للمقربين من بعض الوزراء والمتنفذين ويعرف الجميع — أنها لم تكن بالأقدم ولا بالأكفأ، يشعر أن العدالة لم تتأخر فقط… بل غابت.
ما نطالب به… حدٌّ أدنى من العدالة
إذا كانت هناك تعيينات قائمة على الواسطة — وهذا واقع مرير لا يمكن إنكاره — فإن الحدّ الأدنى من العدالة، الذي يُنهي الظلم بدل إدارته، هو اعتماد معايير ثابتة وواضحة، منها:
1. الأولوية للأكبر عمرًا، لأن الوقت لا يرحم
2. سنة التخرج دون الالتفات للمعدل، لأنه ليس مقياس النجاح الوظيفي
3. الشخصية والالتزام
4. الحالة الإنسانية للمتقدم
5. الكفاءة في أداء الوظيفة، فهو موظف يؤدي عملاً، لا مديرًا عامًا
ولا يعقل أن تُفرض امتحانات تعجيزية لوظائف إدارية بسيطة، كوظيفة كاتب في وزارة، بينما تُفتح الأبواب بلا معيار حين تكون الواسطة حاضرة.
لو التزمنا بهذه المعايير، لما بقيت واسطة، ولا مظلوم
هذا المقال ليس تحريضًا، ولا إساءة، ولا خروجًا عن القانون.
إنه صرخة وجع، واستغاثة مظلوم، وكلمة حق من مواطن أنهكته الأبواب المغلقة.
المواطن اليوم ضحية الوعود، وضحية الواسطة، وضحية الانتظار الطويل. أعرف كثيرين تقدّموا للوظائف عشرات المرات، ولم يحالفهم الحظ فقط لأنهم بلا واسطة. ثم كبروا في العمر، فأُخرجوا قسرًا من دائرة القبول، وحُكم عليهم بالموت الوظيفي وهم أحياء.
فالسلطة التي لا تُنتقد، تفسد.
والصمت عن الخطأ… شراكة فيه