صراع الأجيال في السياسة والقيادة: معركة الرؤية أم أزمة احتكار السلطة؟

 

المحامية رحمة العزة

لم يعد صراع الأجيال في السياسة والقيادة مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل تحوّل في كثير من الدول، ومنها دول عربية، إلى إشكالية بنيوية تمسّ جوهر العمل السياسي ومستقبل الحكم، ففي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، ما تزال أنماط القيادة السياسية محكومة بعقليات تقليدية، تتعامل مع السلطة بوصفها إرثًا يجب الحفاظ عليه، لا مسؤولية تستدعي التجديد والمساءلة ومواكبة التحولات.
تستند القيادات السياسية التقليدية إلى شرعية مستمدة من التاريخ أو النضال أو الخبرة الطويلة في العمل السياسي، ولا يمكن إنكار أهمية هذه الخبرة ودورها في بناء الدول والحفاظ على استقرارها، إلا أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الشرعية إلى أداة احتكار للسلطة، فباسم "التجربة" و"حماية الدولة"، يتم تهميش الأصوات الشابة، ووصم أي طرح إصلاحي جديد بالتهور أو اعتباره تهديدًا للاستقرار السياسي.
غالبًا ما ينظر هذا الجيل إلى السياسة بوصفها إدارةً للأزمات لا صناعةً للمستقبل، فيركز على الحلول المؤقتة ويتجنب القرارات الجريئة، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدولة ومجتمعها، خصوصًا فئة الشباب التي تشكّل النسبة الأكبر من السكان، دون أن تجد نفسها ممثلة أو شريكة في القرار.
في المقابل، يبرز جيل سياسي شاب أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر اطلاعًا على نماذج الحكم الرشيد، هذا الجيل لا يطالب فقط بمقاعد في البرلمانات أو الحكومات، بل يسعى إلى إعادة تعريف السياسة نفسها، بوصفها ممارسة تشاركية، شفافة، قائمة على المساءلة، وتستثمر التكنولوجيا في صنع القرار وبناء الثقة مع المجتمع.
إلا أن الواقع العملي يعكس وجود مخاوف متبادلة؛ إذ تخشى بعض النخب السياسية فقدان السيطرة ومواقع النفوذ، في حين يخشى الشباب من مصادرة مستقبلهم لصالح منظومات لا تمثل طموحاتهم ولا تعكس أولوياتهم. هذا الخوف المتبادل يخلق حالة من الشلل السياسي، تُجهض فيها محاولات التجديد، ويُحصر العمل السياسي في دائرة مغلقة من الأسماء والأفكار ذاتها. وفي جوهره، لا يقوم هذا الصراع على تناقض فكري بقدر ما يقوم على غياب الثقة والخوف من التغيير.
ويبرز في هذا السياق جدل أساسي حول مفهوم القيادة: هل تقوم على الشرعية التاريخية أم على الكفاءة والرؤية؟ فالعالم اليوم لم يعد يكافئ من يملك الماضي، بل من يستطيع قراءة المستقبل. القيادة السياسية الحديثة لم تعد مرتبطة بالعمر، بل بالقدرة على الابتكار، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وحُسن إدارة الازمات الوطنية.
ومن منظور سياسي، لا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون كسر احتكار جيل واحد للسلطة، فتمكين الشباب لم يعد خيارًا تجميليًا أو استجابة ظرفية، بل ضرورة وطنية لضمان استدامة الدولة ومؤسساتها، فالدول لا تُدار بالتجربة وحدها، بل بالرؤية، ولا تُحمى بالحذر فقط، بل بإشراك المجتمع في القرار.
مع التأكيد على أن تمكين الشباب لا يعني إقصاء الجيل الأقدم، بل بناء شراكة حقيقية بين الخبرة والطاقة، وبين الحكمة والتجديد، فعندما تلتقي خبرة الماضي مع أدوات المستقبل، يصبح الإصلاح ممكنًا، وتتحول السياسة من ساحة صراع حول من يملك الحل، إلى مساحة تكامل لتنفيذ الحلول، ومع ذلك، يبقى من المهم الإقرار بأن وعي الجيل السياسي الأقدم تشكّل في سياق كانت فيه الأولوية للاستقرار وبناء الدولة والحفاظ على التوازنات، وهو ما أنتج قيادات حذرة تميل إلى المحافظة وتجنّب المخاطرة.
إن استمرار صراع الأجيال في السياسة والقيادة دون إدارة واعية داخل المؤسسة السياسية نفسها، ينذر بأزمات سياسية واجتماعية عميقة. فإما أن تتحول السياسة إلى مساحة حوار وتشارك حقيقي بين الأجيال، أو تبقى حكرًا على فئة عمرية واحدة تدير الحاضر بعقل الماضي وتترك المستقبل معلّقًا. والرهان الحقيقي اليوم ليس على من يحكم داخل المؤسسة السياسية، بل على كيف يُحكم هذه المؤسسة، ومن يُسمح له بالمشاركة في صياغة الغد.