الحصان الجامح وصقر الأحزاب الأردنية



قراءة تحليلية إنسانية في شخصية سياسي لا يُدجَّن

بقلم : مهند الشبول

لماذا يصعب اختصار عوني الرجوب؟

حين تكتب عن عوني الرجوب، تدرك سريعًا أن الاختصار خيانة للفكرة.

الرجل ليس صورة إعلامية، ولا تصريحًا عابرًا، ولا موقعًا حزبيًا. هو حالة سياسية اجتماعية مركّبة؛ إن اختصرته، أضعت جوهره، وإن زيّنته، شوّهته.

هذه قراءة لا تبحث عن التلميع، بل عن الفهم. فالرجل يُرى عنيدًا من بعضهم، صلبًا من آخرين، ويصفه خصومه بالحاد، بينما يراه أنصاره واقفًا على رجليه، ثابتًا في كل موقف يتخذه.


عوني الرجوب كما يراه الناس… وكما هو

أول ما يلفت في شخصية عوني الرجوب أنه لا يتصنّع. تجلس معه فلا تشعر أنك أمام سياسي ، يحسب كلماته بالميزان، بل أمام رجل يسمع أكثر مما يتكلم، وإذا تكلّم، قال ما يقصده فعلًا.

هذا ما يجعل العامل يفهمه دون شرح، والمهندس يحترمه والمسؤول يستمع اليه دون مجاملة. 
نعم لا يجامل بالمواقف المفصلية ولا يهادن رغم دبلوماسيته المعهوده

لغته واحدة، واضحة، مباشرة، خالية من الزخرفة، ولا تتغير بحسب الجمهور.


الجذور الاجتماعية… حين لا تكون العشيرة عبئًا

ينحدر عوني الرجوب من عشيرة الرجوب الممتدة في الأردن وفلسطين وسوريا وسائر بلاد الشام، لكنه لم يستخدم العشيرة كدرع سياسي، بل كمسؤولية أخلاقية. 
يظهر في شخصيته احترامًا للتقاليد، التزامًا بالكلمة، ونفورًا من الخداع، وهو ما يفسّر لماذا لم يتحوّل يومًا إلى سياسي انتهازي ولم يساوم على المبدأ مقابل موقع. مع انه عرض عليه واعتذر !


العقل السياسي – واقعية بلا استسلام

عوني الرجوب ليس حالمًا، لكنه ليس مستسلمًا. يفهم الدولة، ويعرف حدود الممكن، لكنه يرفض أن تتحوّل هذه الحدود إلى شماعة للفشل. هو لا يرفع سقفًا لا يستطيع الدفاع عنه، ولا يقبل بسقف يُفرض عليه.

يطبق مدرسة تقول: “اضرب حيث تستطيع أن تُصيب، لا حيث يُطلب منك أن تُصفّق”.


العناد والتصلب في القرار… حقيقة لا تهرّب منها

نعم، عوني الرجوب عنيد، لكن عناده قائم على قناعة وليس على رد فعل. عندما يقول “لا”، يكون قد فكّر طويلًا، وحين يقول “نعم”، يكون مستعدًا لدفع الثمن. كثيرون يلينون ويجاملون حفاظًا على مواقعهم، أما هو فيشد حفاظًا على قراره ومبادئه.


الحصان الجامح – لماذا هذا الوصف دقيق؟ والذي اطلقه عليه الكاتب حسني العبادي

وصف الحصان الجامح لا يُطلق على من يصرخ أو يتهوّر، بل على من يرفض أن يُقاد، لا يقبل اللجام السياسي، ويتحرّك بإرادته لا بأوامر غيره.

عوني الرجوب لا يُحتوى بسهولة، لا يُدجَّن بالوعود، ولا يُخيفه التهميش. ؟إذا حوصِر، يواجه. 
وإذا خُيّر بين الصمت والموقف، اختار الموقف دائمًا.


صقر الأحزاب الأردنية – قراءة عميقة في اللقب وفي رأي الكاتب العبادي ايضا

الصقر لا يضرب عشوائيًا، يراقب طويلًا، يحدّد الهدف، ثم ينقضّ. هكذا يتحرّك عوني الرجوب في المشهد الحزبي. لا يدخل كل معركة، ولا يستهلك حزبه في صراعات وهمية، ويعرف متى يتقدّم ومتى ينتظر. لهذا سُمّي صقر الأحزاب الأردنية، لأنه لا يضيع بوصلته، ولا يطير مع السرب بلا وعي.


حزب الأنصار – فكرة قبل أن يكون تنظيمًا

حزب الأنصار عند عوني الرجوب ليس مجرد يافطة، بل محاولة جادّة لخلق حزب يشبه الناس، يفهم وجعهم، ولا يتعالى عليهم. يركز على لقمة العيش، الوظيفة، العدالة في التعيينات، ومحاربة الفساد الإداري الحقيقي لا الشعاراتي.


القيادة… حين تكون السياسة أخلاقًا

عوني الرجوب لا يقود بالعصا، ولا بالمال رغم توفره ، ولا بالتهديد الذي  ليس من طبعه . يقود بالثقة، بالحضور، وتحمل المسؤولية. 
يعامل أعضاء حزبه كأشخاص، لا كأرقام، وهذا ما يفسّر بقاء الحزب متماسكًا رغم كل الضغوط.

 

الميدان… حيث يُختبر الصدق

عوني الرجوب لم يكن يومًا ابن المكاتب المغلقة. تجده في القرى، البوادي، المخيمات، وبيوت الناس. لا يتحدث عن الفقر من تقرير، ولا عن البطالة من شاشة، بل من وجوه الشباب ومن الواقع الذي يلمسه بعينه.

 

فلسطين والأردن – موقف لا يتلوّن

يرى عوني الرجوب أن فلسطين ليست شعارًا، وأمن الأردن لا ينفصل عنها. موقفه واضح، غير قابل للمساومة، وغير قابل للاستثمار الخطابي.

 

الفكر السياسي الحاد… حين لا تكون السياسة هواية

عوني الرجوب ليس خطيبًا سياسيًا فقط، بل باحث ومحلل سياسي بالفطرة والممارسه والمعرفه والدراسه الجامعيه مجتمعة معا.

فكره السياسي حاد بمعنى الدقة والتفكيك وربط القرار بالنتيجة. يقرأ المشهد من زاوية السؤال الأهم: ما الذي سيحدث إذا قلنا هذا؟ ومن سيدفع الثمن؟

يتعامل مع السياسة بمسؤولية، لا بشعبوية، ولا يطرح فكرة دون تقدير أثرها، ولا يطلق موقفًا دون حساب توقيته، وهو يعرف بنية الدولة، توازنات القرار، نقاط ضعف الأحزاب، وأمراض العمل الحزبي العربي عمومًا.

 

محاولة الاعتزال… حين يراجع القائد قناعاته

في مرحلة مفصلية، حاول الانسحاب من العمل الحزبي ليس هروبًا، ولا تعبًا، بل قناعة فكرية مؤلمة. رأى أن الأحزاب في الأردن أصبحت تستهلك الوقت أكثر مما تُنتج الفعل، وأن العمل الحزبي تحول إلى إدارة داخلية بلا مشروع وطني ومضيعة للوقت .

هذه القناعة دفعته إلى قرار صعب: الابتعاد، لا لأن المشروع فشل، بل لأن الساحة لم تعد صادقة مع نفسها.

 

لماذا لم يعتزل؟ ضغط القاعدة لا إغراء القيادة

ما أعاده لم يكن منصبًا، ولا صفقة، ولا وعدًا، بل ضغط غير مسبوق من قيادات وأعضاء حزب الأنصار. قالوا له بوضوح: “خروجك ليس حيادًا… بل خسارة.” وهنا ظهرت شخصية عوني الرجوب الحقيقية: لم يعد إلا بشروط.

 

العودة المشروطة… لا حزب بلا اندماج

عاد، لكن بشروط صارمة: لا استمرار دون اندماجات، لا حزب يشبه الأنصار خارج مشروع الوحدة، ولا تراجع عن فكرة تقليص عدد الأحزاب المتشابهة.

قالها بوضوح: “إما نكبر معًا… أو نمضي كلٌ في طريقه.” هذا الموقف ليس تكتيكًا، بل تحول فكري في رؤيته للعمل الحزبي: من حزب قائم بذاته إلى كتلة وطنية فاعلة.

 

اندماج الأنصار ونماء… لحظة سياسية تاريخية

تم التوصل إلى اندماج حزب الأنصار مع حزب نماء، تكاملي وليس شكلي: الأنصار بخبرته السياسية وحنكته الميدانية، ونماء برؤيته الاقتصادية وأدواته التحليلية .
النتيجة: كيان سياسي يجمع العقل السياسي مع العقل الاقتصادي، ويعتبر أحد أهم الاندماجات الحزبية الجادة في الأردن.

 

السياسة والدبلوماسية… الجمع بين الحزم والمرونة

عوني الرجوب يجمع بين السياسة والدبلوماسية معًا. يعرف كيف يوازن بين المطالب الشعبية والحدود القانونية للدولة، بين المبدأ والليونة للتفاوض. 
هذه القدرة تمنحه مكانة فريدة، إذ يستطيع أن يكون صارمًا مع الخطأ وفي الوقت نفسه يفتح قنوات الحوار مع خصومه أو شركائه السياسيين.

قدرته على شبك العلاقات ليست مجرد مهارة سياسية، بل فن دبلوماسي يتيح له الانتشار في مناطق مختلفة، وحماية مصالح حزبه دون صراعات مفتوحة.

 

ماذا تكشف هذه المحطة عن شخصية عوني الرجوب؟

تكشف ثلاث حقائق لا يمكن تجاهلها: ليس مهووسًا بالقيادة، بل فكّر بالانسحاب حين شعر أن العمل يفقد معناه، ويقدّم الفكرة على الموقع، عاد فقط حين أصبحت العودة جزءًا من الحل لا من المشكلة، ويحترمه من حوله بصدق لأن الضغط عليه جاء من القاعدة لا من فوق.

 

السياسي الذي يراجع نفسه

قليلون في السياسة يملكون شجاعة الاعتراف بالخلل، التفكير بالانسحاب، ثم العودة بشروط إصلاحية لا شخصية. 
عوني الرجوب ابا سداد فعل ذلك. ولهذا لا يُقرأ فقط كحصان جامح، أو صقر الأحزاب الأردنية، بل كسياسي يفكر، يراجع، ثم يقرّر… ويدفع ثمن قراره. هو الرجل الذي يجمع بين الصدق الشعبي، العقلية السياسية الحادة، الحنكة الدبلوماسية، والالتزام بالمبدأ، ويُمثّل شريحة واسعة من الأردنيين الذين يريدون سياسة بلا نفاق، حزبًا بلا تزوير، وقائدًا يقول ما يفعل… ويفعل ما يقول