"بركات الماضي وحنين الأمس".في زمن الطيبين
بقلم : د. فتحي صالح
كان الهاتف الأرضي في ذلك الزمن الحنون قطعةٌ سحريةٌ محرمة، لا يقترب من دويّ رنينه الحذِر إلا الوالدان، وكنا نسمع أصواتهم من بعيد تشدو: "دعوه.. لا تلمسوه". كان ذلك الجهاز عالماً من المهابة والوقار، يتنفس أخلاقاً ويحمل في أسلاكه حياءً ...
وكانت شاشة التلفاز نافذةٌ صغيرة على عالمٍ بريء، لا يتجاوز أفقها "افتح يا سمسم" يُطِل بابتسامته التعليمية، أو "الكابتن ماجد" يركض وراء حلم كرةٍ ذرية، أو "زينة ونحول" في نقاشهما الممتع بسذاجته ... وكان "العِلم للجميع" منارة نلتف حولها كأنها مشعل معارفٍ في ظلمة الجهل ...
وكان الأب: عملقةٌ تملأ البيت هيبةً وسلطانا ... نظرة من عينيه صمتٌ طويل، وضحكة منه عيدٌ تنشّق مصارع أبواب حصنٍ عتيد ... وكنا نسمع وقع خطواته القادمة من بعيد، فنهبّ من فراشنا كالطير الخائف، نركض إلى وضوء الفجر وصلاة الصبح، وكأن خطواته كانت أذاناً يهز أركان غرفتنا الضيقة مساحةً والواسعة حباً وعرفانا ...
وكانت المدرسة على بُعد خطوات، كنا نمشي إليها تحت شمس الصباح الوادعة، ونعود منها تحت ظلال الظهيرة، من غير باصاتٍ مكيفة، ولا مخاوف تُظلم الطريق، ولا غرباء يتربصون ... كانت الشوارع أماناً، والحارات أحضاناً ...
وكان العالَم في أعيننا أنظف من أن يحتاج إلى تعقيم! لم تكن الجراثيم هاجساً يطاردنا عند عربات التسوق المكدسة بأنواع الحلوى المنزلية، ولم يكن البائع بحاجة إلى تصريحٍ من "الغذاء والدواء"، ولا أرضيات ومعدات يدوية تحتاج إلى مطهرات .... كانت الحياة بسيطة: ككف طفل، نقية: كقطرة ندى ...
وكانت للسلطة معنى؛ سلطة الدولة هيبةً، وسلطة الأم حناناً، وسلطة المعلم علماً، وسلطة الأخ الكبير رعايةً، وسلطة الجار حقاً ... وكانت للمسطرة الخشبية سلطةٌ؛ نبلع أمامها ريقنا وهي تُنزِل حسابها على أيدينا، فتنقش في جلودنا جزء "عم"، وجدول الضرب، وقواعد الإعراب، وأصول الخط العربي، ونحن لم نُجاوِز التاسعة بعد.
وكان باب الجيران لا يُغلق؛ يطرق ابن الجار فيقول بنبرة الواثق صاحب الحق: "أمي تُسلّم وتقول: عندكم خبز؟ سكر؟ بصل؟ بندورة؟ بيض؟". كنا نملك إخوة في الجوار، وإخوة في الجدار، وإخوة في لقمة العيش ...
وكان الليل يرخي سدوله بعد العاشرة، فتصير الشوارع صفحات فارغة لا يخطها إلا حارسٌ أو عائدٌ من سفر ... وكانت النساء في بيوتهن قلاعاً، وكان الرجال لا يعرفون أبواباً مفتوحةً بعد منتصف الليل سوى باب المستشفى ...
وكانت الرائحة؛ رائحة البرتقال "أبو صُرة" تفوح من بعيد، ونفحة الخيار البلدي، وعطر البطيخ الأحمر يملأ الأزقة ... تُباع بقروشٍ قليلة، وكأن الطبيعة تتهادى إلينا بهداياها من غير ثمن ...
وكنا نجد القدوة في كل مكان؛ قدوة وأي قدوة: كانوا رجالاً من كوكبٍ آخر: قادةً يقودون بالشجاعة، وعلماء يُهتدى بهم في الظلمات، وأطفالٌ يمشون مشية الرجال، ويتكلمون بحكمة الشيوخ ... لم نكن نرى في شوارعنا مشية البطريق، ولا أشباه الرجال، ولا نساء يتمايلون كما تتمايل أوراق الشجر في فصل الشتاء العاصف! لم نعرف ذلك الالتباس الذي يجعل الصورة ضبابية، والمثال غائباً ...
كان آدم: آدم، وكانت حواء: حواء بفطرة واضحة ساطعة ... ولم يكن في قاموس حياتنا "كائنات ما بين وبين" ...
كان السِتر والقناعة والبركة تلفح الوجوه، فتراها طيبة باسمة مُقبلة ... وكانت أبواب البيوت مُشرعة، والترحيب يُسمع من أقصى الدار، وأطباق الطعام تتنقل بين البيوت حاملةً حرارة الأيدي ودفء القلوب ...
أما اليوم: فقد صرنا نتبادل الشكوك، ونتراسل سوء الظنون، ونقتسم الغيبة، ونحرس أنفسنا من عيون حسد القريب قبل الغريب ...
فتباً لك أيها التمدُّن المستورد! ألبستنا ثياباً فاخرة، وخلعت منا إنسانيتنا ... دخلت بيوتنا فحولتها إلى أوعية فارغة، وتسللت إلى نفوسنا فشعرنا بغربتنا فيها ... وبزحفك البارد؛ تلاشت معه بركة الماضي الجميل.
وصدق الله العظيم إذ يقول: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، ويقول سبحانه: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".
فهل كنا نحن من غيّرنا؟ أو غُيِّرنا؟ أم أن الزمن هو الذي انقلب؟