ازدواجية اللامعقول حين يُصنّف ترامب الإخوان “إرهابيين”… ويمنح الإرهاب الإسرائيلي شرعية كاملة

 

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

ليس من السهل على أي باحث أو مراقب نزيه أن يفهم منطق التصنيفات السياسية الأمريكية، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بمفهوم “الإرهاب”. فالمشكلة لم تعد مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل باتت أزمة عميقة في المعايير ذاتها، بعد أن تحوّلت من أدوات أخلاقية وقانونية إلى وسائل انتقائية تُستخدم لخدمة المصالح لا المبادئ.

أبرز تجلّيات هذا الخلل ظهر بوضوح خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين اندفع إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ “تنظيم إرهابي”، والدفع سياسيًا في هذا الاتجاه، في الوقت الذي لم يرَ فيه أي إرهاب أو تطرف في الأحزاب الدينية الإسرائيلية الأكثر عنفًا وعنصرية في التاريخ السياسي المعاصر. هنا لا يعود السؤال عن المواقف، بل عن المعايير:
أين الإرهاب؟ ومن يملك حق تعريفه؟


الإرهاب… حين يُعرَّف وفق ميزان القوة

وفق أبسط التعريفات الدولية، يُعدّ الإرهاب استخدام العنف أو التهديد به ضد المدنيين لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية. وعند إسقاط هذا التعريف على الواقع، فإن ما تمارسه إسرائيل في غزة من قصف شامل، وحصار خانق، وعقاب جماعي، وتهجير قسري، إلى جانب التحريض الديني العلني الذي تمارسه الأحزاب الدينية المتطرفة الإسرائيلية على القتل والطرد والاستيطان، يرقى بوضوح إلى إرهاب دولة منظّم ومُشرعن سياسيًا.

ومع ذلك، لا تُصنّف إسرائيل، ولا حكوماتها، ولا أحزابها المتطرفة ككيانات إرهابية. 
ليس لأن أفعالها لا تنطبق عليها المعايير، بل لأنها دولة حليفة، محمية سياسيًا، ومحصّنة دوليًا.

 

ترامب… حين يتحوّل الانحياز إلى عقيدة
لم يكن ترامب رئيسًا تقليديًا، بل مثّل حالة تطرّف سياسي شعبوي، يرى العالم بمنطق حاد: من يخدم المصالح الأمريكية–الإسرائيلية شريك، ومن يعارضها إرهابي. 
بهذا المنطق، مُنحت إسرائيل حصانة مطلقة مهما ارتكبت، فيما جرى تجريم أي تيار عربي أو إسلامي مستقل سياسيًا، حتى لو مارس العمل السياسي والاجتماعي لعقود طويلة.

السعي لتصنيف الإخوان المسلمين لم يستند إلى إجماع قانوني دولي، ولا إلى قرارات أممية، ولا إلى أحكام قضائية موثّقة، بل كان قرارًا سياسيًا خالصًا، جاء استجابة لضغوط إسرائيلية، ولمطالب أنظمة إقليمية، ولرؤية ترامب العدائية لكل ما هو عربي أو إسلامي خارج دائرة الطاعة السياسية.

 

الإخوان والمقاومة… الخلل في الرواية لا في الحق

الخلل لا يكمن في دعم الشعوب العربية والإسلامية للمقاومة الفلسطينية، فهذا حق سياسي وأخلاقي تكفله القوانين الدولية التي تعترف صراحة بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته. 
والإخوان، بوصفهم تيارًا سياسيًا واسعًا، لم يكونوا يومًا تنظيمًا عابرًا للحدود بالمعنى العسكري، بل حركة اجتماعية–سياسية ذات حضور شعبي، تعبّر، شئنا أم أبينا، عن مزاج عربي وإسلامي عام يرفض الاحتلال ويقاوم الظلم.
فهل أصبح دعم غزة، أو رفض الاحتلال، أو التعاطف مع شعب محاصر إرهابًا؟ إن كان الجواب نعم، فهذا يعني أن الأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين تُصنَّف إرهابية وفق المنطق (الترامبي)، وهو منطق لا يعكس إلا تطرّفًا فكريًا وعنصريًا مقلقًا.


تشريع الإرهاب الإسرائيلي… وشيطنة الضحية

في عهد ترامب، شرعنت الولايات المتحدة الاستيطان، واعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، وباركت ضمّ الأراضي، وأغمضت عينيها عن جرائم الحرب في غزة. وفي المقابل، لاحقت وصنّفت وشيطنت كل صوت عربي أو إسلامي يرفض هذا الواقع أو يعارضه سياسيًا وأخلاقيًا.
هنا تتجلّى ازدواجية اللامعقول بأوضح صورها: 
الاحتلال يُقدَّم كدفاع عن النفس، والضحية تُوسَم بالإرهاب، والمستوطن المسلح يُوصَف بالمدني، فيما يُختزل الطفل الفلسطيني إلى “خسائر جانبية”.


النتيجه : ليست حربًا على الإرهاب… بل على العدالة

إن تصنيف الإخوان المسلمين بالإرهاب ليس سوى أداة سياسية تهدف إلى تجفيف أي تيار شعبي عربي مستقل، وخدمة الأمن الإسرائيلي، وإعادة تشكيل المنطقة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية. 
أما الإرهاب الحقيقي، فهو ما يُمارَس يوميًا على غزة، وما تشرعنه الأحزاب الدينية المتطرفة في إسرائيل، وما يُغطّى دوليًا بالصمت أو بحق النقض.

المشكلة ليست في تحديد من هو الإرهابي، بل في من يملك سلطة التعريف. 
وحين يحتكر الأقوياء هذه السلطة، تتحوّل العدالة إلى تهمة، وتُجرَّم المقاومة، ويُعاد تقديم الاحتلال كسياسة مقبولة في نظام دولي فقد توازنه الأخلاقي.