من نفق الحرية إلى قاعة الفرح .. محمود العارضة وتجربة الإنسان بعد الأسر
محمد النجار
في مشهد يحمل دلالات إنسانية عميقة، دخل الأسير الفلسطيني المحرر محمود العارضة، أحد أبطال عملية “نفق الحرية”، قفص الزوجية، في صورة تختصر رحلة طويلة من القيد إلى الحياة، ومن العتمة إلى الضوء. حدثٌ شخصي في ظاهره، لكنه في معناه العام يعكس قدرة الإنسان على استعادة ذاته بعد واحدة من أقسى تجارب السجن والحرمان.
قبل سنوات قليلة، تصدّر اسم محمود العارضة ورفاقه عناوين الصحف ووسائل الإعلام، بعد تمكنهم من الفرار من سجن جلبوع في عملية غير مسبوقة، أعادت إلى الواجهة حكايات الأسرى الفلسطينيين ومعاناتهم اليومية. ستة أسرى حفروا طريقهم بأدوات بدائية، متحدّين منظومة أمنية معقّدة، قبل أن يُعاد اعتقالهم لاحقًا بعد مطاردة واسعة. وفي المرة الثانية، خرجوا من السجن عبر بوابة السجّان، لا من نفق، لكنهم خرجوا مرفوعي الرأس، محتفظين بصورة الأسير الذي لم تنكسر إرادته.
ورغم أن الزمن قد يبدو قصيرًا في حساب السنوات، فإن تجربة الاعتقال في حياة الأسير زمنٌ ثقيل، ممتدّ، ومشحون بالتفاصيل القاسية. فالسجن لا يقيّد الجسد وحده، بل يطال الذاكرة والعلاقات والأحلام المؤجلة. حديث الأسر حديث طويل عن عزلة قسرية، وغياب، وانتظار لا ينتهي، وعن محاولات يومية للحفاظ على التوازن النفسي وسط ظروف استثنائية.
غير أن اللافت في تجربة محمود العارضة ورفاقه هو قدرتهم على العودة إلى الحياة الطبيعية بعد كل ما مرّوا به. فالتجربة الإنسانية هنا لا تتجلى في لحظة الهروب وحدها، بل في ما بعدها: في اختيار الاستمرار، في إعادة بناء الذات، وفي الإصرار على ممارسة الحياة بوصفها حقًا أساسيًا لا يسقط بالتقادم.
ويحضر في هذا السياق قول الشاعر محمود درويش: “ونحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً”، كأنه توصيف دقيق لمسار هؤلاء الأسرى المحررين، الذين عادوا إلى تفاصيلهم اليومية، وإلى علاقاتهم الاجتماعية، وإلى مشاريعهم المؤجلة، رافضين أن تختزلهم سنوات السجن في صورة واحدة ثابتة.
مشهد زفاف محمود العارضة يتجاوز كونه مناسبة عائلية، ليغدو حدثًا رمزيًا يعكس انتصار الإنسان على القيد، وعلى محاولات كسر الإرادة. فبين زنزانة ضيقة وقاعة فرح فسيحة، تمتد رحلة داخلية معقّدة، ينتقل فيها الإنسان من موقع الأسير إلى موقع الفرد الحر القادر على التخطيط لمستقبله، وتأسيس حياة جديدة.
وفي هذا التحول، تتجسد مقولة المفكر وليد سيف عن الإنسان، ذلك الكائن المعقّد الذي لا يكتشف حقيقته إلا في مواجهة التحديات الكبرى. فالتجربة هنا ليست تجربة بطولة فقط، بل تجربة إنسانية في الصبر، والتعافي، واستعادة المعنى بعد الانكسار.
ختامًا، فإن حكاية محمود العارضة ليست مجرد قصة زواج بعد تحرر، بل شهادة حيّة على قدرة الإنسان على النهوض من أقسى الظروف، وعلى أن الحياة، مهما طال تأجيلها، تظل ممكنة. وهي رسالة مفتوحة لكل من أثقلهم اليأس: أن الطريق إلى الضوء قد يطول، لكنه لا يُغلق، وأن الإنسان قادر دائمًا على أن يبدأ من جديد