المؤثرون: نجوم الفراغ في زمن الضجيج
سوزان أبو بكر
في هذا الزمن، لم يعد لقب “مؤثّر” بحاجة إلى أي معنى حقيقي. يكفي أن تكون حاضرًا باستمرار، صاخبًا بما يكفي، وقادرًا على جذب الانتباه ولو عبر التفاهة. هكذا يُصنّف المجتمع المؤثرين اليوم: أشخاص يُشاهَدون كثيرًا، لا أشخاص يقولون شيئًا يستحق الاستماع.
المشكلة لا تكمن في وجود المؤثرين، بل في تضخيمهم. المجتمع رفعهم إلى مرتبة رموز ثقافية واجتماعية، دون أن يكلّف نفسه عناء السؤال: بماذا يؤثّرون؟ وعلى مَن؟ فالتأثير، كما يُقدَّم لنا اليوم، لا يتجاوز كونه قدرة على توجيه الاستهلاك، لا الوعي، وتحريك الشراء، لا التفكير.
نعيش حالة خلط خطيرة بين الشهرة والقيمة. من يملك متابعين يُمنح تلقائيًا سلطة رأي، حتى لو كان رأيه هشًا، سطحيًا، أو مستنسخًا. المؤثر الحديث لا يُنتج أفكارًا، بل يُعيد تدوير الترند، ويقدّم آراء مصمَّمة حسب الخوارزمية، لا حسب قناعة أو مسؤولية. كل شيء محسوب: النبرة، الجملة، وحتى “العفوية”.
أما ما يُسمّى صناعة المحتوى، فقد تحوّلت في كثير من الحالات إلى صناعة فراغ. محتوى بلا مضمون، حياة خاصة تُباع على شكل يوميات، وقيم تُختصر في اقتباس تحفيزي مكرّر. أصبحنا أمام مسوّقين لأنفسهم أكثر من كونهم صانعي أفكار، وأمام مشاهير بلا مشروع، سوى الحفاظ على الظهور بأي ثمن.
وفي مقابل هذا الضجيج، يُدفع المحتوى الهادف إلى الهامش. ذلك المحتوى الذي يحاول نشر أفكار، ثقافة، معرفة، أو طرح أسئلة عامة تمسّ المجتمع. محتوى لا يصرخ، لا يرقص على الترند، ولا يبيع الوهم المغلّف بالإيجابية. هذا النوع من المحتوى لا يُكافأ، لأنه لا يُدرّ أرباحًا سريعة، ولا يناسب مزاج الاستهلاك اللحظي.
صنّاع المحتوى الذين يقدّمون قيمة حقيقية—فكرًا، تحليلًا، أو وعيًا اجتماعيًا—يُتّهمون بالملل، بالتعقيد، أو بعدم مواكبة العصر. كأن الثقافة أصبحت عبئًا، والفكرة جريمة، والعمق تهمة. في زمن السرعة، لا مكان لمن يطلب من الجمهور أن يتوقّف ويفكّر.
النتيجة واضحة: فراغ يُضخَّم، ووعي يُهمَّش. نجوم يملؤون الشاشات، لكنهم يتركون خلفهم مساحة فارغة. تأثير لحظي، بلا أثر طويل. ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية. فنحن من نمنح المتابعة، نحن من نصنع “النجومية”، ونحن من قرّر أن الصوت الأعلى أهم من المعنى الأعمق.
ربما حان الوقت لإعادة النظر في مفهوم التأثير. فليس كل من ظهر مؤثرًا، وليس كل من صمت بلا قيمة. التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات، بل بقدرته على زعزعة السائد، وإثارة الأسئلة، وبناء وعي… حتى لو كان ثمنه الخروج من الترند.
الأدهى أن المجتمع يشارك في هذه الجريمة. الجمهور الذي يشتكي من السطحية هو نفسه من يصنعها، بالمتابعة، بالإعجاب، وبإعادة النشر. نحن من منح الفراغ نجومية، ثم تذمّرنا من خوائه. نحن من صدّق أن كل من يملك منصة يملك رأيًا، وكل من يملك متابعين يملك قيمة.
المشكلة إذًا ليست في المؤثرين وحدهم، بل في المنظومة كاملة: جمهور يكافئ التفاهة، منصات تروّج لها، وسلطة رأي بلا أي مساءلة. وفي هذا المشهد، يُختزل التأثير إلى إعلان، وتُختصر الرسالة إلى صورة، ويُدفن المعنى تحت ركام الضجيج.
آن الأوان لكسر هذا الوهم. فالتأثير ليس رقمًا، ولا مهنة، ولا لقبًا يُمنح تلقائيًا. التأثير الحقيقي هو ذاك الذي يترك أثرًا، لا ضجيجًا، ويطرح أسئلة، لا منتجات. وما لم نُعد تعريف من يستحق أن يُسمَع، سنبقى نعيش في زمنٍ يعلو فيه الصوت… ويغيب فيه المعنى.