لماذا فشل الفيلم الوثائقي عن ميلانيا ترامب؟
يكاد وثائقي فيلم "ميلانيا" (Melania) يجمع كل أسباب سوء الحظ التي يمكن أن تصادف فيلما، فرغم تكلفته التي بلغت 75 مليون دولار أميركي، لم ينجح في الاستعانة بفريق عمل جيد، ولم ينجح في الاستعانة بفريق تسويق أو توزيع يحدد موعدا أقل سوءا من ذلك الذي عرض خلاله.
أقيم العرض الأول للفيلم في أجواء راقية، ولقي تصفيقا خافتا ونقاشا متقطعا، وبدا أن ضبط النفس الذي طبع الفيلم قد أصاب المشاهدين، فيما كانت ولاية مينيسوتا تشتعل بالمظاهرات احتجاجا على تورط عناصر الهجرة في إطلاق نار مميت.
بدا الفيلم هادئا إلى حد البرود، والواقع السياسي ساخن إلى حد الاشتعال. لم تكن تلك المفارقات الظرفية إلا مقدمة بسيطة لجبال من سوء التقدير الفني.
ويعد فيلم "ميلانيا" مثالا واضحا على الأزمة التي تعاني منها صناعة الوثائقيات السياسية، خاصة عندما يركن صناعه إلى الكسل، ويفضلون منطقة "الراحة السردية" على البحث والتقصي، خاصة عند تناول سيرة شخصية عامة مثيرة للجدل.
لكن، من الصعب تحديد سبب واحد لفشل الفيلم، رغم أنه لم يحقق إيرادات -حتى الآن- تنبئ بإمكانية ما لاستعادة تكلفته، التي بلغت 75 مليون دولار أميركي. ولم يحصل على تقديرات جيدة سواء في المواقع المتخصصة في النقد السينمائي أو في تعليقات جمهور المشاهدين. لم يستطع فيلم "ميلانيا" تبرير وجوده من الأصل.
واجه العمل منذ عروضه الأولى ردود فعل نقدية متحفظة، ومتشككة في كثير من الأحيان. لم تتهم المراجعات الفيلم بأخطاء واقعية أو قصور تقني، بل أشارت إلى أمر أكثر أهمية، وهو غياب الرؤية التحريرية.
وصف النقاد الفيلم بأنه رصدي دون أن يكون استقصائيا، حميمي دون أن يكون كاشفا، ويلامس السياسة دون أن يتخذ موقفان والمفارقة أنه ينتمي إلى نوع سينمائي ليتميز بالمواجهة والكشف والنقاش.
فيلم يوثق الحضور
ركز كبار النقاد اعتراضاتهم على ما لم يقدمه الفيلم، وأكدت مراجعات في منابر إعلامية مثل "هوليوود ريبورتر" و"فارايتي" و"الغارديان" أن الفيلم الوثائقي تجنب الخوض في قضايا ملحة تتعلق بالسلطة والتواطؤ والصمت، وهي قضايا تحيط – بالضرورة- بدور ميلانيا ترامب في الحياة العامة.
اختار الفيلم منظورا شخصياً ضيقا، مركزاً على الروتين والخصوصية وذكريات منتقاة، وذلك بدلا من الاشتباك مع موقعها ضمن واحدة من أكثر الإدارات السياسية إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
لاحظ العديد من النقاد أن الفيلم الوثائقي بدا مهتما بنقل المعلومات أكثر من اهتمامه بتقديم رؤى معمقة. الكاميرا تراقب، لكنها نادرا ما تتحدى. وتجري المقابلات دون مقاطعة، وتترك التصريحات دون سياق. دفع هذا المنهج النقاد إلى وصف الفيلم بأنه أشبه بمحاولة لتشكيل ملامح صورة أكثر من كونه تحقيقا وثائقيا. وقد لخص أحد النقاد البارزين المشكلة بإيجاز: الفيلم "يوثق الحضور، لا السلطة".
أثبت هذا التصور ضرره البالغ، إذ أن الأفلام الوثائقية السياسية تخضع لتوقعات مختلفة عن تلك التي تخضع لها الأفلام التي تتناول حياة المشاهير أو نمط حياتهم.
يتوقع الجمهور والنقاد على حد سواء وجود تباين بين الشخصية الرئيسية وصانع الفيلم، وبين الصورة والواقع، وبين السرد والسياق. برفضه لهذا التباين، وضع الفيلم نفسه في موقف محرج بين نوعين سينمائيين، فلم يلبي التساؤل السياسي ولا الكشف الشخصي.
التوقيت وإشكالية السياق
لعل أكثر العوامل ضررا كان التوقيت. فقد تزامن العرض الخاص للفيلم الوثائقي وإطلاقه للجمهور مع فترة توتر سياسي وأمني حاد في الولايات المتحدة. وشكلت التحقيقات الجارية، والخطاب الانتخابي المتصاعد، والقلق الشعبي حيال استقرار الديمقراطية، الخلفية التي انطلق فيها الفيلم.
في هذا السياق، بدت نبرة الفيلم الوثائقي الرصينة، والمصقولة، والمعزولة إلى حد كبير، منفصلة عن المزاج العام. ووصفت التقارير الواردة من العرض الخاص حدثا اتسم بالأناقة والرزانة، مركزا على الإنجاز الفني بدلا من الإلحاح أو المواجهة. وبينما قد يناسب هذا الجو حفلا ثقافيا، إلا أنه يتناقض بشدة مع خطورة اللحظة السياسية الراهنة.
بلور هذا التنافر نقطة الضعف الأساسية في الفيلم: فقد بدا وكأنه موجود خارج الواقع الذي ادعى توثيقه. لم يقر الفيلم الوثائقي بالتقلبات المحيطة بموضوعه، ولم يتناول الآثار الأخلاقية لسرد مثل هذه القصة في مثل هذا الوقت. لم يكن الفيلم حذرًا فحسب، بل بدا أيضا في غير موضعه الزمني.
تنجح الأفلام الوثائقية السياسية لأنها تجسد الإلحاح، والشعور بضرورة سرد القصة الآن، وأن سردها يحمل في طياته عواقب. لم يجسد الفيلم الوثائقي عن ميلانيا ترامب أيا من هذين الأمرين. فقد أوحى إيقاعه المتأني وتركيزه الانتقائي بأنه فيلم صنع ليُعرض بهدوء بدلا من أن يتدخل بشكلٍ فعال.
ربما كان هذا النهج لينجح في ظروفٍ مختلفة، أو مع موضوعٍ أقلّ رمزية. لكن في المناخ السياسي الراهن، يقرأ ضبط النفس بشكلٍ مختلف. فالصمت ليس محايدا، بل يفسر.
إن عدم رغبة الفيلم الوثائقي في وضع ميلانيا ترامب ضمن هياكل السلطة الأوسع التي كانت جزءا منها، هو السبب الرئيسي في عدم قدرة الفيلم على تبرير وجوده.
درس بـ75 مليون دولار
يعكس فشل الفيلم الوثائقي توترا أوسع في صناعة الأفلام الوثائقية المعاصرة. مع تزايد صعوبة الوصول إلى الشخصيات وازدياد وعيها الإعلامي، يواجه صناع الأفلام ضغوطا لتخفيف حدة أسلوبهم. تتخلى الأفلام الوثائقية السياسية عن المواجهة، تفتخاطر بفقدان أهميتها تماما.
لم يفشل فيلم "ميلانيا" بسبب خلل تقني أو تضليل متعمد، بل فشل لأنه استهان بتوقعات جمهوره، وبالغ في تقدير قيمة "الأمان السردي" في نوع سينمائي يتسم بـ"المخاطرة".
باختياره الحذر السردي بدلا من الاستقصاء، كشف الفيلم عن حدود سرد القصص الوثائقية السياسية عندما ينفصل عن السياق والصراع والنتائج، أكثر مما كشف عن شخصية موضوعه.
ولا يعد استقبال الفيلم لا يعد حكما على ميلانيا ترامب بقدر ما هو حكم على تقليد الأفلام الوثائقية الذي يكافح لإعادة تعريف غايته في عصر يتطلب الوضوح والشجاعة والمساءلة.








