الأردن لا يحتاج إلى أسبوع عمل أقصر… بل إلى اقتصاد أذكى

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

 

بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد

 

ليس السؤال اليوم ما إذا كان نظام العمل لأربعة أيام مناسبًا أم لا. السؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون لاستخدام الوقت كأداة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الأردني؟

النقاش الدائر حاليًا حول تقليص أيام العمل يُقدَّم في كثير من الأحيان على أنه خطوة لتحسين راحة الموظف أو مواكبة اتجاهات عالمية. وهذا تبسيط مخلّ. فالأردن لا يملك رفاهية اتخاذ قرارات إدارية “تجريبية” دون أن تكون مرتبطة بهدف وطني واضح.

إذا أردنا أن نناقش نظام الأربعة أيام بجدية، فعلينا أن نراه كما هو: قرار استراتيجي عالي التأثير، وليس مجرد تعديل في جدول الدوام.

الاستراتيجية أولًا: ما الهدف الحقيقي؟

أي قرار بهذا الحجم يجب أن يبدأ بسؤال استراتيجي بسيط:

ماذا نريد أن نحقق كدولة؟

هل الهدف:

• رفع الإنتاجية؟

• تحسين جودة الحياة؟

• تنشيط الاقتصاد المحلي؟

• دعم الزراعة والأمن الغذائي؟

إذا لم يتم تحديد الهدف بوضوح، فإن القرار سيتحول إلى إجراء إداري بلا اتجاه.

نظام الأربعة أيام يجب أن يُبنى كجزء من استراتيجية وطنية لإعادة توزيع الوقت والإنتاجية، بحيث يتم توجيه اليوم الإضافي نحو:

• النشاط الاقتصادي

• تطوير المهارات

• دعم القطاعات غير المستغلة (مثل الزراعة)

المشكلة ليست في عدد أيام العمل… بل في ضياع القيمة خارجها

في الواقع، جزء كبير من القيمة الاقتصادية في الأردن معطّل ليس بسبب قلة الموارد، بل بسبب سوء استغلال الوقت.

آلاف الأردنيين يمتلكون أراضي زراعية في قراهم. هذه الأراضي ليست مجرد أصول جامدة، بل هي قدرة إنتاجية كامنة. لكنها تُترك دون استثمار لأن نمط العمل الحالي لا يترك مساحة زمنية حقيقية للاهتمام بها.

المشكلة ليست في الأرض، ولا في الإنسان… بل في هيكل الوقت غير الاستراتيجي.

ثلاثة أيام عطلة… ليست رفاهية، بل إعادة توزيع للإنتاج

إضافة يوم ثالث لعطلة نهاية الأسبوع لا تعني تقليل العمل، بل تعني تحرير طاقة إنتاجية غير مستغلة.

هذا اليوم يمكن أن يتحول إلى:

• إنتاج زراعي

• تطوير مهني

• نشاط اقتصادي

• إنفاق يحرك السوق

وهنا يتحقق التحول الحقيقي:

من إنتاج محصور داخل المكاتب إلى إنتاج موزع على مستوى المجتمع

الدليل العالمي: التجربة أثبتت أن الفكرة قابلة للتطبيق

هذا الطرح ليس نظريًا، بل مدعوم بتجارب دول متقدمة طبّقت نماذج العمل لأربعة أيام أو ما يقاربها.

في آيسلندا، تم تنفيذ تجربة واسعة شملت شريحة كبيرة من القوى العاملة، وأظهرت النتائج أن الإنتاجية بقيت مستقرة أو تحسّنت، مع انخفاض واضح في مستويات الضغط الوظيفي.

وفي المملكة المتحدة، أظهرت تجربة شملت عشرات الشركات أن الغالبية العظمى استمرت في تطبيق النظام بعد انتهاء التجربة، مع تحسن في الاحتفاظ بالموظفين واستقرار الإيرادات.

أما في اليابان، فقد ارتبط تطبيق النظام بزيادة كبيرة في الإنتاجية، نتيجة التركيز على كفاءة الوقت وتقليل الهدر في الاجتماعات والعمليات.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، جاء تعديل نظام العمل في القطاع الحكومي ضمن رؤية أوسع لتعزيز التنافسية وتحسين كفاءة الأداء.

القاسم المشترك بين جميع هذه التجارب واضح:

لم يكن النجاح نتيجة تقليل أيام العمل بحد ذاته، بل نتيجة:

• إعادة تصميم العمل

• قياس الأداء بوضوح

• إدارة التغيير بشكل احترافي

وهذا هو الدرس الأهم للأردن.

إدارة المخاطر: أين قد نفشل؟

أي قرار استراتيجي بدون إدارة مخاطر هو قرار غير مكتمل. تطبيق نظام الأربعة أيام يحمل مجموعة من المخاطر الواقعية التي يجب التعامل معها بوضوح، وليس تجاهلها:

1.  مخاطر استمرارية الخدمات

• احتمال تراجع مستوى الخدمة الحكومية

• تأخر المعاملات

الإجراء المقترح:

نظام مناوبات لضمان استمرارية الخدمة.

2.  مخاطر انخفاض الإنتاجية

• تحول اليوم الإضافي إلى وقت غير منتج

الإجراء المقترح:

ربط النظام بمؤشرات أداء واضحة مثل:

• زمن إنجاز المعاملات

• رضا المواطنين

• إنتاجية الموظف

3. مخاطر الضغط الوظيفي

• تكثيف العمل في أربعة أيام بشكل غير متوازن

الإجراء المقترح:

إعادة تصميم العمليات وليس فقط تقليل الأيام.

4.  مخاطر العزل الاقتصاد

• عدم قدرة الناس على استثمار الوقت بسبب ضعف النقل

الإجراء المقترح:

تعزيز النقل العام، وخصوصًا: نقل مجاني أو مدعوم داخل المدن خلال عطلة نهاية الاسبوع

بدون نقل عام فعّال… سنفقد نصف القيمة

لنكن صريحين:

الوقت بدون قدرة على الحركة = وقت ضائع جزئيًا.

إذا لم يتم تطوير النقل العام، فإن:

• الناس لن تتحرك

• الأسواق لن تنتعش

• الفائدة الاقتصادية ستتآكل

لذلك، يجب النظر إلى النقل كجزء من نفس الاستراتيجية وليس كملف منفصل.

إما تنفيذ احترافي… أو نتائج عكسية

الخطأ الأكبر ليس في اتخاذ القرار، بل في سوء تنفيذه.

نظام الأربعة أيام يجب أن يُطبق وفق منهج واضح:

• تجربة مرحلية 

• قياس مستمر للأداء

• مراجعة دورية للنتائج

• تعديل المسار عند الحاجة

هذا هو جوهر إدارة المخاطر وفق ISO 31000:

ليس منع المخاطر، بل إدارتها بذكاء.

الخلاصة: القرار ليس إداريًا… بل اختبار لقدرتنا على الإدارة

الأردن لا يحتاج إلى قرارات شكلية.

الأردن يحتاج إلى قرارات تُدار باحتراف.

نظام العمل لأربعة أيام يمكن أن يكون:

• إما خطوة شعبوية قصيرة الأثر

• أو أداة استراتيجية تعيد تنشيط الاقتصاد والمجتمع

والفرق بينهما… ليس في القرار نفسه،

بل في طريقة التفكير التي تقوده.

إخلاء مسؤولية:

يمثل هذا المقال الآراء الشخصية والتحليلات المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهو لأغراض معلوماتية وتثقيفية فقط، ولا يُعد استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. تم بذل أقصى الجهود لضمان دقة المعلومات، ومع ذلك لا يتحمل الكاتب أي مسؤولية عن أي أخطاء أوسهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على ما ورد في هذا المقال. يُنصح القراء والجهات المعنية باستخدام تقديرهم الخاص وتكييف ما ورد بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences