كيف ستواجه الحكومة آلاف الخريجين في قادم الأيام؟
بقلم: أ.د رشيد عبّاس
يبدو أن الحكومات القادمة ستواجه أكبر تحدٍ على مر العقود السابقة والمتمثل في تدفّق وتكدّس آلاف الخريجين من الجامعات الحكومية والخاصة، والمتتبع للخط البياني في هذا الشأن يجد أن هناك تصاعد كبير في رأس سهم هذا الخط، والغريب أن المعنيين لدينا لم قوموا بدراسة اكتوارية لتحليل بيانات حجم الخريجين إحصائياً للتنبؤ بمستقبل هذا الكم الهائل من الخريجين وبتخصصات لا تحاكي على الإطلاق متطلبات سوق العمل.
ويبقى السؤال الأهم: كيف ستواجه الحكومة آلاف الخريجين في قادم الأيام؟ أعتقد أن هذا السؤال توقفت عنده مطولاً كثير من حكومات بعض الدول، ووضعت خططاً عشرية نجحت من خلالها في ضبط إيقاع إعداد الخريجين لتواكب حاجات سوق العمل، مع تقليم بعض التخصصات تلك التي لا يحتاجها سوق العمل.
بكل صراحة مشكلتنا في الأردن هي (مشكلة اجتماعية) بإمتياز، بمعنى أن لدينا عقد اجتماعية اتجاه منظومة التعليم، اي أننا توجّهنا بالتعليم نحو المكانة الاجتماعية، ويمكن لي أن اعطي مثالاً واحداً هنا حول خريجو الهندسة كي تتضح الصورة، تقول الدراسات أن لدينا أكثر من ٧٥٠٠٠ خريج هندسة، أشترك في هذه المشكلة الاجتماعية الفئات الآتية: أولاً الحاصلين على معدلات عالية في التوجيهي للفرع العلمي، ثانياً السماح لطلبة الفرع الصناعي بدراسة الهندسة من ذوي المعدلات غير المرتفعة، ثالثاً طلبة المعدلات المنخفضة والذين دخلوا كليات مجتمع/ دبلوم هندسة ثم سُمح لهم بعملية التجسير ليتخرجوا مهندسين، رابعاً فئة الطلبة الذين اعادوا التوجيهي مرات ومرات عديدة لتأمين قبول هندسة في الجامعات، خامساً السماح للطلبة بدراسة الهندسة بمعدلات قبول دنيا في جامعات خارج الاردن.. كل ذلك كان المحرك فيها العقد الاجتماعية والنقص الاجتماعي، كيف لا ومغروس لدينا ثقافة أن هناك مكانة اجتماعية للمهندس في المجتمع لا تقل عن مكانة الدكتور/الطبيب، وقد نتج عن ذلك للأسف الشديد أن بعض هؤلاء الخريجين في الهندسة انهم لجأوا إلى تغيير تخصصاتهم إلى مادة الرياضيات للتدريس، وأخرون يعملون درفري توصيل طلبات، وفئة لجأت للعمل كمندوبين والبيع في المحلات، وهناك إعداد كبيرة منهم ينتظروا رحمة الله.
أعي وادرك تماماً أن الشغل ليس عيباً، لكن طالب يدرس ٥- ٦ سنوات هندسة ميكانيكية ويبيع على قارعة الطريق بندورة! وآخر درس هندسة مدنية ويعمل في محطة محروقات!
علينا إعادة صياغة ثقافتنا الاجتماعية، كي نتخلص من عقدة الشهادة..، وأن نتحول من ثقاقة الشهادة إلى ثقافة المهن التي يحتاجها المجتمع، وأن ندوس ثقافة العيب باقدام المهن
التي نتوارى ونخجل منها..
ويبقى السؤال كم مسؤول لديه ابنه حلاق، أو مصلّح صوبات، أو يعمل في أفران المخابز، أو بنشرجي.. هذه المهن في الدول المنتجة ليس عيباً ودخلها مرتفع جداً ويمارسها اولاد الذوات ايضاً.
دمتم بخير
أ.د رشيد عبّاس.








