الموارد تُدار بعقل الدولة، لا بذهنية الأفراد

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: مؤيد أحمد المجالي

لم تعد الحوكمة الرشيدة ترفًا إداريًا، ولا مصطلحًا يُستحضر في الندوات والمؤتمرات لتحسين الصورة الذهنية للمؤسسات، بل أصبحت معيارًا حقيقيًا لقياس شرعية الإدارة وكفاءة القرار، ومدى احترام المؤسسة للمال العام ولحقوق العاملين ولثقة المجتمع؛ فالقاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن كل سلطة تقابلها مسؤولية، وكل صلاحية يجب أن تُمارس ضمن حدودها، وكل مورد - بشريًا كان أو ماليًا - هو أمانة لا تُدار بالاجتهاد المزاجي، بل بمنظومة ضابطة تُحقق العدالة والكفاءة معًا. ومن هنا، فإن تطبيق منظومة الحوكمة الرشيدة ليس خيارًا تنظيميًا، بل التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

الحوكمة ليست هيكلًا… بل فلسفة إدارة:
إن الخلل في كثير من المؤسسات لا يكمن في نقص الموارد، بل في سوء إدارتها؛ فقد تتوافر كوادر بشرية مؤهلة، وموازنات كافية، وبنية تحتية مناسبة، ومع ذلك تتراجع النتائج، ويتسع العجز، ويُهدر الوقت والمال.
السبب؟ غياب منظومة حوكمة واضحة تحدد:
- من يقرر؟
- على أي أساس يُتخذ القرار؟
- من يراقب؟
- وكيف تُقاس النتائج؟
إن الحوكمة تعني الانتقال من الإدارة الشخصية إلى الإدارة المؤسسية، ومن القرارات الفردية إلى القرارات المبنية على بيانات ومؤشرات أداء، ومن ثقافة “النفوذ” إلى ثقافة “المسؤولية”.

الاستخدام الأمثل للموارد البشرية:
إن المورد البشري هو رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة. غير أن سوء التعيين، أو غياب توصيف وظيفي دقيق، أو التوسع غير المدروس في الهيكل الإداري، يؤدي إلى بطالة مقنّعة في جهة، وضغط وظيفي في جهة أخرى.
إن المنظومة الرشيدة تقتضي:
- ربط التعيين بالحاجة الفعلية لا بالمجاملات.
- اعتماد معايير كفاءة موضوعية.
- تقييم الأداء بشكل دوري وفق مؤشرات قابلة للقياس.
- ربط الحوافز بالإنتاجية لا بالأقدمية فقط.
عندها فقط تتحول الرواتب من عبء ثابت إلى استثمار منتج، ويتحول الموظف من متلقٍ للتعليمات إلى شريك في تحقيق الأهداف.

ترشيد الموارد المالية والمادية:
إن الهدر المالي لا يبدأ بالفساد الكبير، بل يبدأ غالبًا بقرارات صغيرة غير مدروسة:
مشاريع بلا جدوى اقتصادية، مشتريات بلا أولوية، عقود بلا رقابة لاحقة.
إن الحوكمة تفرض:
- التخطيط الاستراتيجي قبل الإنفاق.
- دراسة جدوى حقيقية لكل مشروع.
- رقابة داخلية مستقلة وفعّالة.
- شفافية في العطاءات والعقود.
وهنا يتحقق المعنى الحقيقي للاستخدام الأمثل للموارد:
أي تحقيق أعلى منفعة ممكنة بأقل تكلفة ممكنة، دون الإخلال بالقانون أو بالمصلحة العامة.

المساءلة كضمانة للعدالة والكفاءة:
لا يمكن الحديث عن كفاءة دون مساءلة؛ فالمؤسسة التي لا تُحاسب إدارتها على النتائج، ولا تراجع قراراتها، تتحول تدريجيًا إلى كيان مغلق يعيش خارج منطق الرقابة.
إن المساءلة لا تعني العقاب فقط، بل تعني:
- تقييم القرار.
- تصحيح الانحراف.
- منع تكرار الخطأ.
وهي بذلك تحمي الإدارة الجادة، بقدر ما تردع الإدارة المقصّرة.

الحوكمة والاستدامة:
إن المؤسسة التي تُدار بلا حوكمة قد تنجح مرحليًا، لكنها لن تصمد طويلًا، أما المؤسسة التي تبني قراراتها على الشفافية والكفاءة والمساءلة، فإنها تؤسس لاستدامة مالية وإدارية، وتكسب ثقة أصحاب المصلحة، وتُحصّن نفسها ضد الأزمات.
فالاستدامة ليست شعارًا بيئيًا فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لإدارة رشيدة تعرف كيف توزّع الموارد بعدالة، وكيف توازن بين الحاضر والمستقبل.

وفي الختام، إن تطبيق منظومة الحوكمة الرشيدة ليس مسألة تجميل إداري، بل هو صمام أمان يحول دون استنزاف الموارد، ويضمن توجيه الطاقات البشرية والمادية نحو تحقيق الأهداف الحقيقية للمؤسسة؛ فالموارد ليست ملكًا للإدارة، بل أمانة في عنقها، والقرار ليس امتيازًا، بل التزام، والسلطة ليست مطلقة، بل مُقنّنة بمبادئ الشفافية والمساءلة والكفاءة، وحين تدرك المؤسسات هذه الحقيقة، تتحول الحوكمة من مصطلح نظري إلى ممارسة يومية، ومن نصوص مكتوبة إلى ثقافة راسخة…
عندها فقط يمكن القول إن الموارد تُدار بعقل الدولة، لا بذهنية الأفراد.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences