الحوكمة القانونية لمنصات تسوية المنازعات الإلكترونية: هل نحن مستعدون تشريعياً؟
الدكتورة المحامية سمية حسين محفوظ
العدالة ليست مجرد إجراء تقني يمكن تحديثه بضغطة زر، بل هي منظومة قيم راسخة تقوم على الحياد والشفافية وضمانات الدفاع. لكن التحول الرقمي المتسارع فرض واقعاً جديداً لم يعد فيه النزاع يُعرض بالضرورة أمام قاضٍ في قاعة تقليدية، بل قد يُدار بالكامل عبر منصة إلكترونية، من تقديم الطلب وحتى إصدار القرار. هنا لا يثور السؤال حول كفاءة الوسيلة أو سرعتها، بل حول مدى قدرتها على الحفاظ على جوهر العدالة ذاتها. فهل تواكب منظومتنا التشريعية هذا التحول، أم أننا أمام ممارسة تقنية سبقت أدوات التنظيم القانوني؟ لم تعد منصات تسوية المنازعات الإلكترونية فكرة مستقبلية، بل أصبحت واقعاً عملياً يتوسع كلما اتسعت التجارة الإلكترونية والمعاملات الرقمية والخدمات العابرة للحدود. تقوم هذه المنصات على نقل النزاع من فضائه التقليدي إلى فضاء رقمي متكامل، يبدأ بتقديم الطلب أو الشكوى إلكترونياً، ثم تبادل اللوائح والمذكرات والمستندات عبر النظام، مروراً بإدارة الجلسات عن بُعد أو الاكتفاء بإجراءات مكتوبة، وصولاً إلى تسوية توافقية أو قرار يصدر عن وسيط أو محكّم أو جهة فصل مرتبطة بالمنصة. وفي النماذج المتقدمة، تتدخل أدوات تقنية وخوارزميات ذكية لتصنيف النزاع واقتراح حلول وترتيب الأولويات ومساعدة جهة الفصل في الصياغة والتحليل.
غير أن الإشكالية القانونية ليست في أن الوسيلة إلكترونية، فالقانون الحديث تعايش مع المستند الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني وإثبات المعاملات الرقمية. الإشكالية الحقيقية تكمن في شيء أعمق: من يملك السلطة؟ وبأي سند؟ وبأي ضمانات؟ حين تُدار المنازعة داخل منصة رقمية قد تكون تجارية وربحية، وقد تكون عابرة للحدود، وقد تخضع لشروط استخدام مكتوبة بلغة تقنية لا يقرأها الناس عادة، فإننا ننتقل من سؤال "كيف نُسرّع الإجراءات؟" إلى سؤال أخطر: هل بقيت ضمانات العدالة كما هي، أم تغيّرت قواعد اللعبة دون أن نشعر؟ وهنا تتزاحم الأسئلة التي لا يجوز للقانون أن يتعامل معها بتطمينات عامة. ما هو التكييف القانوني لقرارات تصدر عبر منصة؟ هل هي تحكيم أم وساطة أم تسوية تعاقدية؟ وما مدى حجيتها أمام القضاء عند التنفيذ أو عند الطعن؟ وأين يقف مبدأ حق الدفاع إذا كانت الإجراءات تُدار وفق واجهات تقنية قد لا تضمن التكافؤ بين أطراف النزاع؟ وكيف تُصان السرية والخصوصية في بيئة رقمية تتعامل مع وثائق حساسة وبيانات شخصية وتجارية؟ ثم الأهم: من يتحمل المسؤولية عند وقوع خلل؟ هل هي المنصة أم المحكّم أم مزود الخدمة التقنية؟ أم يُترك المتضرر وحيداً في منطقة رمادية لا تُمسكها قواعد المسؤولية التقليدية؟
إن الحديث عن منصات تسوية المنازعات الإلكترونية لا ينبغي أن يبقى محصوراً في مزايا السرعة والمرونة. نحن أمام بنية جديدة تُنتج عدالة رقمية بآليات مختلفة ومعايير مختلفة وأطراف جدد يدخلون على خط العدالة: مطورون وموردو خدمات وخوارزميات وشروط استخدام. ومن دون إطار حوكمة قانونية واضح يحدد المعايير الدنيا ويضبط العلاقة بين الأطراف ويرسم حدود السلطة والمسؤولية، نُخاطر بأن تتحول تسوية المنازعات من ضمانة للحقوق إلى خدمة تُدار بمنطق السوق أكثر مما تُدار بمنطق العدالة. فالسؤال عن جاهزيتنا التشريعية ليس سؤالاً تقنياً بل سؤالاً سيادياً يتعلق بكيفية تنظيم العدالة داخل المجال الرقمي. التشريعات القائمة في كثير من الدول العربية اعترفت بالمحررات الإلكترونية ومنحتها حجية في الإثبات، لكنها تستند في بنيتها إلى تصور تقليدي لإجراءات التقاضي والتحكيم يقوم على الحضور المادي والضبط الورقي والإشراف القضائي المباشر. أما منصات تسوية المنازعات الإلكترونية فتعمل في فضاء مختلف يتجاوز الحدود الجغرافية ويخضع أحياناً لشروط تعاقدية تضعها الجهة المشغلة للمنصة دون تدخل تشريعي صريح.
وإذا كانت بعض قوانين التحكيم تسمح باتفاق الأطراف على إجراءات مرنة، فإن هذا لا يعني إطلاق اليد بلا قيود. فمبدأ سلطان الإرادة من ركائز التحكيم، لكنه لا يمكن أن يمتد ليُفرغ ضمانات العدالة من مضمونها. إذ يبقى احترام حق الدفاع وحياد جهة الفصل وتمكين الأطراف من عرض دفوعهم على قدم المساواة شروطاً لا يجوز التنازل عنها ولو باتفاق صريح. وهنا تكمن الإشكالية: هل تتضمن منصات تسوية المنازعات الإلكترونية آليات واضحة تضمن هذه المبادئ؟ أم أنها تعتمد على صيغ عامة وشروط استخدام قد لا ترقى إلى مستوى الضبط القانوني الدقيق؟ كما أن مسألة الرقابة القضائية تظل محوراً حساساً. فالتحكيم التقليدي يخضع في نهاية المطاف لرقابة القضاء عند طلب التنفيذ أو عند الطعن بالبطلان. لكن حين يصدر قرار عبر منصة رقمية ذات طبيعة هجينة، قد لا يكون توصيفه القانوني واضحاً، فإن الطريق إلى القضاء قد يصبح أكثر تعقيداً. وفي غياب نصوص صريحة تنظم هذا النوع من القرارات، قد يجد القاضي نفسه أمام واقع جديد لم يُصمَّم له الإطار التشريعي الحالي.
في السياق العربي، تبدو الحاجة إلى هذا التوازن أكثر إلحاحاً. فمع ازدياد الاعتماد على التجارة الإلكترونية وتوسع الخدمات الرقمية وظهور منصات تحكيم وتسوية ذات طابع إقليمي ودولي، أصبح من غير الواقعي تجاهل أن جزءاً متنامياً من المنازعات يُدار خارج الإطار التقليدي للمحاكم. ومعظم التشريعات ما تزال تتعامل مع النزاع من زاوية مكان انعقاده أو موطن أطرافه، في حين أن المنصة الرقمية قد لا تنتمي جغرافياً إلى أي منهما بصورة واضحة. هنا يثور تساؤل جوهري يتعلق بالاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق وحدود السيادة التشريعية في فضاء عابر للحدود بطبيعته. كما أن البعد الأخلاقي لا يقل أهمية عن البعد القانوني. فإذا كانت بعض المنصات تستخدم أدوات تقنية متقدمة بما في ذلك خوارزميات تقترح حلولاً أو ترتب أولويات الملفات، فإن الشفافية تصبح مطلباً لا ترفاً. من حق الأطراف أن يعرفوا كيف تُدار بياناتهم وكيف يُختار الوسيط أو المحكّم وما هي المعايير التي تُستخدم في توجيه مسار النزاع. فالعدالة لا تكتفي بأن تكون محايدة، بل يجب أن تكون ظاهرة الحياد. وأي غموض في الآليات التقنية قد يُضعف الثقة، حتى لو لم يثبت وجود انحراف فعلي.
في هذا السياق، تبرز المنظمة العالمية للتحكيم الدولي والرقمي كمثال على الجهود العملية لتطوير منصات تحكيم رقمية احترافية. تعمل المنظمة على إطلاق منصة تحكيم رقمية متطورة تقدم خدمات التحكيم بأسلوب احترافي يجمع بين السرعة والكفاءة والشفافية، وذلك ضمن بيئة رقمية متكاملة تراعي المعايير الدولية وتستشرف متطلبات المستقبل. تهدف المنصة إلى خدمة الأفراد والشركات والمؤسسات الدولية من خلال منظومة متطورة وآمنة تُسهم في تسوية النزاعات بفعالية دون تعقيد أو تأخير. تضم هيئة تحكيم مؤهلة تتشكل من نخبة من الخبراء الدوليين، وتوفر إجراءات إلكترونية مبسطة تتيح سرعة البت في القضايا، وتوفر بيئة تفاعلية تضمن الخصوصية والحياد الكامل. كما توفر دعماً متعدد اللغات لتلبية احتياجات جمهور عالمي وتتكامل بمرونة مع الأنظمة القانونية المختلفة. هذا النموذج يعكس الاتجاه العام نحو بناء منصات تحكيم رقمية تجمع بين الابتكار التقني والالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية العالية.
إن الحديث عن الحوكمة القانونية لمنصات تسوية المنازعات الإلكترونية يجب أن يتجاوز رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. المطلوب ليس فقط سدّ الفراغ التشريعي عند ظهور إشكال، بل بناء إطار تنظيمي واضح يحدد شروط الترخيص ومتطلبات الكفاءة ومعايير الأمان المعلوماتي وآليات الرقابة والمساءلة. فالعدالة التقليدية تخضع لضوابط صارمة، والعدالة الرقمية مهما بلغت مرونتها لا يجوز أن تعمل في منطقة رمادية. والرهان الحقيقي ليس في سرعة الفصل في النزاع، بل في الحفاظ على الثقة العامة في منظومة العدالة، سواء عُقدت جلساتها تحت سقف محكمة أم خلف شاشة إلكترونية. الطريق الأكثر واقعية لا يبدأ برفض هذه المنصات ولا بتقديسها، بل بتنظيمها. المطلوب إطار حوكمة بسيط وواضح يحدد الحد الأدنى من الضمانات التي لا يجوز المساس بها: إفصاح صريح عن إجراءات المنصة ومعاييرها، حماية صارمة للسرية والبيانات، ضمان تكافؤ الفرص وحق الرد، قواعد واضحة لتجنب تضارب المصالح، ومسؤولية محددة عند الخلل أو الإخلال. كما ينبغي أن يكون توصيف مخرجات المنصة تسوية أو وساطة أو تحكيم توصيفاً قانونياً لا يترك الأطراف في منطقة رمادية عند التنفيذ أو الطعن.
في النهاية، السؤال ليس: هل سنشهد توسعاً في تسوية المنازعات إلكترونياً؟ هذا حاصل. السؤال الحقيقي: هل سنسمح بأن يتمدد الواقع الرقمي دون قواعد لعب تشريعية تضبطه؟ العدالة الرقمية يمكن أن تكون فرصة لتخفيف العبء وتسريع الإنصاف، لكنها قد تتحول إلى خطر إذا سارت بلا حوكمة. والميزان هنا دقيق: نحتاج تحديثاً قانونياً يحمي الحقوق دون أن يخنق الابتكار.








